النّاتو يُعِيد تشكيلَ أمنِ أوربّا بتحوّلٍ استراتيجيّ وتأَهُّبٍ عسكريّ مكثف عبر سباق تسلّحٍ غير مسبوق
التزاماتٌ بإنفاقٍ دفاعيٍ يصلُ إلى 5٪ من الناتجِ المحليِّ بحلولِ 2035، وحُزمٌ بقيمةِ 486 مليون دولارٍ لدعمِ أوكرانيا، في وقتٍ تحذّرُ فيهِ بروكسلُ من فجوةٍ تمويليةٍ قد تتجاوزُ 120 مليار يورو سنويًا
في خضم أزمات اقتصادية عالمية تضرب القارة العجوز، أعلن حلف شمال الأطلسي عن خطة طموحة تهدف إلى رفع إنفاق الدول الأعضاء على الدفاع إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة أوروبا على الموازنة بين الأمن والاقتصاد. هذه القفزة غير المسبوقة في الإنفاق الدفاعي، التي تواكب تصاعد المواجهة العسكرية في شرق أوروبا، تُلقي بظلالها الثقيلة على اقتصادات مُنهكة تواجه تضخمًا مرتفعًا، ديونًا متزايدة، وضغوطًا اجتماعية متصاعدة، في وقت يرى فيه مراقبون أن أوروبا تخوض سباقًا مزدوجًا بين بناء قوة عسكرية جديدة وإدارة أزماتها المالية الحادة.
في القمة التي انعقدت مؤخرًا في لاهاي، اتفق قادة الناتو على خريطة طريق واضحة ومُلزمة تضع رفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي في أولوية قصوى، مع تخصيص 3.5% منها للقدرات العملياتية الأساسية، و1.5% للاستثمار في تقنيات الأمن السيبراني وتطوير البنية التحتية الدفاعية. هذا الهدف الطموح يتطلب تعبئة سنوية تقدر بنحو 120 مليار يورو إضافية في ظل ضغوط اقتصادية خانقة، حيث يكشف تقرير حديث للمفوضية الأوروبية عن فجوة تمويلية ضخمة تهدد قدرة بعض الدول، خصوصًا في جنوب أوروبا، على المضي قدمًا دون المساس بالبرامج الاجتماعية الحيوية.
الأرقام الرسمية تؤكد تباينًا حادًا في أداء الدول الأعضاء؛ ففي حين تتصدر دول مثل بولندا وليتوانيا وإستونيا سباق الإنفاق الدفاعي متجاوزة نسبة 4%، تلتزم دول أخرى مثل إسبانيا وألمانيا بإجمالي لا يتجاوز 2.1% و2.3% على التوالي، ما يثير توترات سياسية داخل الحلف ويهدد وحدة الموقف الأوروبي. ويعكس هذا الخلاف تصاعد التوترات السياسية مع الولايات المتحدة التي ضغطت بشكل غير مسبوق على أوروبا لتحمل العبء الأكبر، مع تهديدات علنية بفرض عقوبات تجارية على الدول المتخلفة عن الوفاء بالتزاماتها الدفاعية.

التزام أوروبا بتعزيز دفاعها جاء مع تصاعد الحوادث الأمنية على الحدود الشرقية، أبرزها الهجوم السيبراني واستخدام الطائرات المسيّرة، ففي أغسطس الجاري شهدت ليتوانيا اختراقًا جويًا بطائرات بدون طيار روسية دخلت أجواءها عبر الحدود مع بيلاروسيا، مما أجبر السلطات على إخلاء بعض المنشآت العسكرية ورفع حالة التأهب، وفتح الباب أمام طلب تعزيزات دفاعية من الناتو. وأكد الأمين العام للحلف اتخاذ إجراءات سريعة لتعزيز القدرات الدفاعية المضادة لهذه التهديدات المتطورة، مما يعكس تغيرًا في طبيعة الصراعات التي لم تعد تقليدية فقط بل تتجاوزها إلى حرب هجينة إلكترونية.
على المستوى الأوروبي، تجسد طموح القارة في الاستقلال الأمني من خلال إطلاق خطة “الجاهزية 2030″، وهي مبادرة تمويلية ضخمة تهدف إلى تعبئة نحو 800 مليار يورو لدعم التصنيع العسكري المشترك، وتعزيز الأمن السيبراني، وتسهيل العمليات المشتركة بين الدول الأعضاء. ضمن هذه الخطة، أُنشئ صندوق “سيف” بقيمة 150 مليار يورو لدعم المشاريع الدفاعية المستقبلية، مع تفعيل آليات مالية تسمح بتجاوز قيود الميزانية التقليدية، لكن مراقبين يرون في هذه الخطوة مخاطرة كبيرة قد تجرّ دولًا مثل إيطاليا وإسبانيا إلى دوامة ديون جديدة تفاقم من أزماتها الاقتصادية.
هذا التوسع في الإنفاق العسكري يأتي في وقت تواجه أوروبا فيه موجات تضخم متصاعدة، وركودًا اقتصاديًا مقنعًا، وهو ما ينذر بتصاعد التوترات الاجتماعية، حيث تحذر النقابات من تقليص الإنفاق على القطاعات الاجتماعية مقابل ضخ مليارات في التسليح، في حين تظل توقعات النمو الاقتصادي الأوروبية عند مستويات متدنية لا تتجاوز 1% سنويًا.

لا يقتصر الأمر على المال والتسلح، بل يمتد إلى إعادة هيكلة جذرية في شكل التحالف، حيث يلعب الناتو اليوم دورًا مركزيًا في تنسيق الدعم العسكري لأوكرانيا عبر آلية جديدة أُطلقت مؤخرًا باسم “قائمة الأولويات الأوكرانية”، التي تنسق مئات الملايين من الدولارات شهريًا لتمويل أسلحة أميركية الصنع تُرسل عبر القارة، وتدعم برامج التصنيع العسكري داخل أوكرانيا ذاتها، في مؤشر إلى محاولة دمج الصراع في منظومة أمنية أوروبية طويلة الأمد.
وفي سياق متصل، لم تكن القرارات العسكرية معزولة عن صفقات السلاح الميدانية. ففي الخامس من أغسطس، أعلنت كل من السويد والنرويج والدنمارك عن ضخ حزمة جديدة قدرها 486 مليون دولار لتمويل مشروع تابع للناتو يهدف إلى شراء أسلحة أميركية لأوكرانيا، تشمل أنظمة دفاع جوي وصواريخ باتريوت وأسلحة مضادة للدبابات.
لكن هل ثمة من يتساءل عما إذا كان هذا التوسع العسكري ضريبة قد لا تحتملها اقتصادات أوروبا في ظل غياب خطة شاملة لإدارة التوازن بين الأمن والتنمية؟ التساؤل يتجلى في مواقف دول جنوب أوروبا التي تخشى أن يُغرق هذا السباق القاري في أزمات ديون متجددة، تدفع كلفة تسليحها السياسية والمالية بشكل مباشر على حساب استقرارها الداخلي.

إن ما يحدث اليوم في أوروبا هو إعادة تشكيل لمفهوم الأمن والدفاع، حيث يتحول الناتو من تحالف عسكري إلى مؤسسة مالية وسياسية تفرض ضغوطًا اقتصادية على أعضائها، وتعزز بروز قوى إقليمية جديدة داخل الاتحاد الأوروبي. ولعل أبرز تحديات العقد المقبل ستكون في قدرة هذه الدول على الموازنة بين الطموحات الأمنية المتزايدة، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي لا تقل أهمية.
يشكل تصاعد الإنفاق العسكري الأوروبي استجابة حتمية للتحديات الأمنية المتزايدة التي تفرضها التهديدات الروسية على الحدود الشرقية، مما يفرض استنفارًا شاملًا للقدرات السياسية والمالية والعسكرية. هذا السباق الذي يضغط على اقتصاديات القارة المنهكة يخلق توترات داخلية بين تعزيز الدفاعات والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، خاصة في دول الجنوب الأكثر هشاشة ماليًا. أوروبا اليوم في مفترق حاسم، حيث تتحول الاستثمارات الدفاعية إلى ركيزة أساسية للثبات السياسي والدبلوماسي في مواجهة منافسات جيوسياسية متصاعدة، مع خطر مستمر بتمزق التوازن الدقيق بين الأمن والاقتصاد.





