الشــرق الأوســط

فشلُ التّهدئةِ في غزّة: ترامب ونتنيَاهُو يُصِرّانِ على الإبادةِ والتّجويع

في الوقت الذي يكابد فيه أهالي غزة الجوع، وتُدفن الطفولة تحت الركام، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل انسحابهما رسميًا من مفاوضات وقف إطلاق النار، متذرعتين بـ”تعنّت” حركة حماس، و”فشل” الوسطاء. لكنّ الحقيقة أبعد من مجرد إخفاق دبلوماسي؛ إنها خطوة تعكس نية مبيّتة لإدامة الحرب، وترك قطاعٍ محاصرٍ يواجه الموت وحده.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتوانَ عن تأكيد موقفه العدائي، حين صرّح بنبرة أقرب إلى التهديد المباشر: “حماس لا تريد صفقة… أعتقد أنهم يريدون الموت، وسيتم اصطيادهم الآن”. عبارة كهذه، صادرة عن زعيم أكبر قوة في العالم، تُجرد مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين من إنسانيتهم، وتحوّل الحرب إلى تصفية مفتوحة، لا تفرّق بين مقاتل وطفل رضيع.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فقد أعلن بوضوح أن حكومته “تدرس البدائل”، عقب ما وصفه بـ “فشل مفاوضات الدوحة”، رغم ما أكدته مصادر قريبة من المحادثات بأنها كانت “بناءة”. ويبدو أن نتنياهو، المحاصر سياسيًا في الداخل، اختار الهروب إلى الأمام عبر تأجيج الحرب، وتبنّي خطاب يميني متطرف يروّج لإعادة احتلال غزة، و”تشجيع هجرة سكانها”، بحسب تصريحات معلنة لوزراء في حكومته، أبرزهم إيتمار بن غفير.

الانسحاب من المفاوضات لا يُقرأ فقط كقرار عسكري، بل هو تعبير صارخ عن سياسة تقوم على فرض الموت كأمر واقع. في هذا السياق، باتت المجازر اليومية تُنفّذ بتسارع جنوني، فيما يتحدث الإعلام الغربي عن “عملية طويلة الأمد” و”أهداف استراتيجية”، في محاولة باردة لتغليف المجزرة بلغة مهنية.

ورغم تحذيرات الأمم المتحدة من أن المجاعة تفتك بالفعل بسكان القطاع، لا تزال إسرائيل تفرض قيودًا شديدة على دخول المساعدات، متهمة المنظمات الأممية بـ “الفشل”، في وقت تعجز فيه حتى المنظمات الطبية عن دخول المناطق المنكوبة. تسع وفيات بسبب الجوع سُجّلت في يوم واحد، معظمهم أطفال. أما صور الإسقاطات الجوية للمساعدات، فليست إلا مشهدًا دعائيًا لا يغيّر شيئًا من الواقع الكارثي على الأرض.

امرأة فلسطينية تلاطف رأس طفل بينما ينتظران عند نقطة توزيع الغذاء في مخيم النصيرات للاجئين في وسط قطاع غزة، في 19 يوليو – الصورة لـ وكالة فرانس برس/غيتي إيماجيش عبر سي آن آن

سياسيًا، وظف ترامب القضية الفلسطينية لتعزيز تحالفه مع أقصى اليمين الإسرائيلي، مستثمرًا الحرب لترسيخ صورته كرئيس “لا يساوم”، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء. في المقابل، يستخدم نتنياهو المذبحة كدرع واقٍ ضد محاولات الإطاحة به، مستغلاً القتل الجماعي لتأجيج المشاعر القومية وتحقيق مكاسب سياسية عاجلة، في إطار حرب إبادة واضحة ضد المسلمين الأبرياء، التي تستهدف جيلًا كاملاً من الأطفال والنساء.

في المقابل، شكّل الإعلان الفرنسي عن نية الاعتراف بدولة فلسطينية صرخة خارج السرب. حيث تحدّث الرئيس ماكرون عن “ضرورة وضع حد للحرب”، وأقرّ أيضاً بإمكانية الاعتراف بدولة فلسطينية في سبتمبر المقبل. لكن الرد الأمريكي كان لافتًا في تهكّمه، إذ قلّل ترامب من الخطوة قائلاً: “ماكرون صديقي، لكن لا أحد يصغي إليه”، وهو تصريح يعكس ازدراءً صريحًا لأي جهد دولي لا يمر عبر البوابة الإسرائيلية.

يتجمع فلسطينيون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة – الصورة لـ رويترز عبر سي آن آن

وسط هذا كلّه، يغيب الموقف العربي الرسمي، أو يحضر ببيانات باهتة لا ترتقي إلى مستوى الكارثة. لا مؤتمرات طارئة، لا خطوات اقتصادية رادعة، لا ممرات إغاثة مستقلة. يُترك شعبٌ بأكمله تحت القصف والجوع، فيما تكتفي العواصم العربية بالتعبير عن “القلق”، في موقف يرقى إلى التواطؤ الضمني.

المشهد في غزة اليوم ليس فقط حربًا، بل حالة إبادة ممنهجة. أكثر من 60 ألف فلسطيني قُتلوا منذ بدء العدوان، عشرات الآلاف ما زالوا في العراء، والموت لا يأتي فقط من السماء، بل من الجفاف، وسوء التغذية، وغياب الدواء. تُقصف المدارس والمخيمات والمستشفيات، ويُقتل الصحفيون وهم يوثّقون الحقيقة، وآخرهم المصوّر آدم أبو هربيد، الذي استُهدف بصاروخ إسرائيلي بينما كان يغطي مأساة النازحين، وسط مدينة غزة.

في ظل غياب أي أفق سياسي، وصمت دولي في كثير من الأحيان، باتت غزة ميدانًا مفتوحًا لمأساة من صنع الإنسان، يُشارك في صناعتها أطرافٌ تدّعي تمثيل القيم الديمقراطية والعدالة. وبينما يواصل الأطفال الموت جوعًا، ويواصل الصحفيون السقوط تحت القصف، لا يبدو أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تأخذ في الاعتبار أن ثمة شعبًا يُباد أمام أعين الجميع، بلا شفقة، ولا مساءلة.

استشهاد الصحفي أبو هربيد بصاروخ إسرائيلي جريمة بشعة تستهدف حرية الصحافة وتهدد حياة من ينقلون الحقيقة بشجاعة ومهنية – الصورة لـ قناة الجزيرة القطرية الحكومية

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل