غَــزّة تتعرّضُ للتّجويع والمجتمعُ الدّولي بين مُشاركٍ وشاهدٍ على جريمةِ الإبادة
أكثرُ من 59,000 شهيدٍ، و1050 قتيلًا برصاص الاحتلال الإسرائيلي عند نقاط توزيع الغذاء، ومناشداتٌ عاجلةٌ لإنقاذِ مئاتِ الآلافِ من المدنيين الفلسطينيين من مجازر القتل والتجويع في غزة المحاصرة
في مشهد يعجز فيه الإنسان عن استيعاب حجم الإبادة والمأساة الإنسانية غير المسبوقة في التاريخ الحديث، يُقتل الفلسطيني في غزة اليوم ليس بالقذائف فقط، بل بالجوع البطيء الذي ينهش جسده وروحه، وسط صمت عالمي مطبق وتواطؤ لا يُغتفر. أكثر من ستين ألف شهيد قضوا منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، لكن العدد الأكبر من القتلى لا يظهر على شاشات الأخبار.
أطفال ونساء وشيوخ يموتون جوعًا يوميًا بسبب نقص الطعام والماء والدواء، في معركة لا تقل فتكًا عن القصف، مع استمرار إغلاق المعابر وعرقلة وصول المساعدات.
الآن، في قلب هذا الجحيم الإنساني، تتحول طوابير الجياع أمام نقاط التوزيع إلى مشاهد موت جماعي، حيث يسقط المئات برصاص الاحتلال الإسرائيلي الذي يتعمد إطلاق النيران أثناء محاولتهم الحصول على لقمة، وأصوات صراخهم المختنقة تُخترق صمت السماء، لكنها لا تصل إلى ضمائر صماء. إنها معركة الجوع، المعركة التي يقتل فيها الإنسان ببطء وبطريقة أكثر وحشية، بلا رحمة، وبلا إنسانية.
هذه هي الحقيقة المؤلمة التي يعيشها سكان غزة اليوم، حيث تحول الحصار والسياسات القمعية إلى أدوات إبادة صامتة، تجعل من الموت جوعًا حقيقة يومية، وأسطورة لا تتوقف حتى في ظل ضوء الشمس القاسي.
منذ 7 أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة مأساة لا تقاس، جوع قاتل ودماء تسيل على أرض محاصرة ومجروحة. عشرات الآلاف من الشهداء، بينهم آلاف الأطفال والنساء، قضوا في واحدة من أبشع الحروب التي شهدها التاريخ الحديث، بحسب إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية. ليس فقط القنابل التي تدمر الجسد، بل الجوع الذي يقتل بصمت، فقد وثقت مصادر رسمية وفاة 86 شخصًا جوعًا منذ اندلاع الأزمة، بينهم 76 طفلاً، مع تسجيل 101 وفاة جوعًا شملت 80 طفلاً، في ظل حصار خانق يمنع وصول الغذاء والدواء والوقود.

لكن مأساة الجوع ليست فقط إحصائيات باردة، بل هي وجوه باهتة تنتظر أمام نقاط توزيع الغذاء، التي تحولت إلى حقول موت. في مايو 2025، برزت منظمة جديدة تحمل اسم “مؤسسة غزة الإنسانية”، منظمة أمريكية–إسرائيلية أُنشئت كبديل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التي توقفت عن التوزيع بفعل نفاد المخزون وقيود الحصار. تحولت نقاط توزيع مؤسسة غزة الإنسانية إلى مشاهد مأساوية، إذ قُتل أكثر من 1,050 فلسطينيًا برصاص الاحتلال خلال انتظارهم أو محاولتهم الحصول على الطعام، في مذبحة صامتة لا تقل فظاعة عن قصف المدارس والمستشفيات. اتُهم مؤسسوها بعلاقات مع شركات أمنية، وتحويل المساعدات إلى عملية أمنية بامتياز، ضاربة عرض الحائط القيم الإنسانية التي يجب أن تصاحب توزيع الغذاء في مناطق الحروب.
ولم يقتصر القتل على المجاعة، فكل يوم تُسجل عشرات الوفيات بين المدنيين الفلسطينيين الذين يقفون في طوابير المساعدات، التي يقابلها جنود الاحتلال بالرصاص الحي، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية. لا شفقة، لا رحمة، لا إنسانية.
هذا المشهد يقابله صمت عربي مدوٍ، يشبه خيانة تاريخية لشعب يُذبح أمام أعين الجميع. من الدول التي تدعي أنها حامية القضية الفلسطينية، جاءت المواقف فاترة، بل وغالبًا متواطئة. مصر، التي تملك مفتاح المعبر الوحيد للقطاع، تغلق معبر رفح لأيام طويلة، وتقيد دخول الغذاء والدواء، تحت ذرائع أمنية إسرائيلية تفرضها السلطة الحقيقية على الأرض. الأردن، التي يتحدث وزير خارجيتها في البيانات فقط، لم تحرك ساكنًا على صعيد الضغوط الحقيقية في مجلس الأمن. بينما الدول العربية الأخرى، من الخليج إلى المغرب، اكتفت بالتنديد الصوري دون فعل ملموس.

أما على الصعيد الدولي، فالصمت والشلل كانا أكثر فظاعة. مجلس الأمن محاصر في صراع فيتو لا ينتهي، وأكبر قوة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، تمنع صدور أي قرار يدين الاحتلال أو يطالب بوقف النار. الأمم المتحدة تُصدر بيانات تعبر عن “قلق عميق” و”دعوات متكررة” بلا أي تأثير حقيقي، بينما يموت آلاف المدنيين ببطء في ظل أزمات غذاء ودواء ووقود لا نهاية لها.
هذه الكارثة الإنسانية يصفها حقوقيون دوليون بأنها “أعمق سقوط أخلاقي عالمي منذ مجازر رواندا”، ومجازر “الإبادة الصامتة” عبر التجويع والإفقار. منظمة الصحة العالمية تحذر من “كارثة متفاقمة”، و”هيومن رايتس ووتش” تضع استهداف المدنيين الباحثين عن الطعام في خانة جرائم الحرب، فيما تعتبر منظمة العفو الدولية أن الاحتلال ينتهج سياسة إبادة ممنهجة.
في قلب هذه المعاناة، يختنق النظام الصحي في غزة، مع توقف 27 مستشفى من أصل 35، بسبب انقطاع الوقود والكهرباء، فيما يسقط الأطباء والممرضون ضحايا إرهاق الجوع والإرهاب النفسي والبدني. قصص الأطفال الذين يموتون من الجوع لا تزال تراوح مكانها، طفل رضيع عمره أسابيع وطفل آخر بعمر 13 عامًا توفيا في غضون ساعات فقط، في مشاهد تمزق القلب، لكنها لم تحرك ضمائر صامتة.
هذه هي الحقيقة المؤلمة، مأساة إنسانية مكتملة الأركان، لا تتوقف عند الجوع أو القتل، بل تتعداهما إلى خيانة عربية وأممية تواطأت في إبادة شعب لا ذنب له سوى كونه محاصرًا على أرضه.
وأمام هذه الصرخة الصامتة، يواجه العالم اختبارًا أخلاقيًا حقيقيًا، إما أن يتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو أن يكون مشاركًا في جريمة تاريخية تُسجل في صفحات الأسوأ من تاريخ الإنسانية.





