مجتمع

اِستغلالُ العمّال المُهاجرِين في كندَا يُثير اِنتقاداتٍ حادّة بسبب اِقتطاعاتِ السّكن

وسط صيف سياسي واقتصادي ساخن، تواجه الحكومة الكندية عاصفة من الانتقادات الحادة بعد تسريب مقترح رسمي يقضي باقتطاع ما يصل إلى 30% من أجور العمال المهاجرين الموسميين مقابل السكن، ضمن برنامج العمال الأجانب المؤقتين الذي يشكل عمودًا فقريًا للزراعة وصناعات الإنتاج في البلاد. الوثيقة الصادرة عن وزارة التوظيف والتنمية الاجتماعية، والتي تم الكشف عنها نهاية يوليو 2025، أثارت موجة غضب في الأوساط الحقوقية والنقابية، واعتُبرت خطوةً “تؤسس للعبودية الحديثة” وتكرّس استغلال الطبقة الأكثر هشاشة في سوق العمل الكندي.

يقول عامل جامايكي في نوفا سكوشا، يعمل في معمل للحوم، وفقًا لوكالة “ذا كنديان برس”، إن الاقتطاع المقترح “شرّ صريح”، مشيرًا إلى أن راتبه الذي يبلغ 17.23 دولارًا في الساعة بالكاد يكفيه لسداد احتياجاته الأساسية، وأن خصم نحو 1000 دولار شهريًا سيقضي على قدرته في دعم أسرته أو توفير الطعام له. وتدعم هذا الصوت انتقادات منظمات مجتمع مدني، مثل “تحالف العمال المهاجرين من أجل التغيير”، التي وصفت الاقتطاعات بأنها سرقة هائلة للأجور دون أي تحسّن يُذكر في ظروف المعيشة، مؤكدة أن نظام العمل المؤقت الكندي يمثل “مستنبتًا للعبودية المعاصرة”، إذ يُقيّد تصاريح العمل بأرباب العمل، مما يحرم العمال من حرية التنقل ويجعلهم عرضة للاستغلال.

وتوثّق تقارير أكاديمية مدعّمة بشهادات ميدانية في مايو 2025 أوضاع سكنية “غير إنسانية” للعمال، تشمل اكتظاظًا يصل إلى ثمانية أشخاص في غرفة واحدة، ومساكن تنتشر فيها القوارض والعفن، مع غياب التهوية والتدفئة الملائمة. وفي يوليو 2025، حذرت جمعية القانون البيئي الكندية من خطورة ارتفاع درجات الحرارة في مساكن العمال، داعية إلى وضع قانون صارم يحدّ من حرارة المسكن إلى 26 درجة مئوية، على غرار معايير ولاية أوريغون الأميركية، معبرة عن أن هذه الظروف تحول المساكن إلى “أفران مغلقة” تهدد حياة العمال.

عمالٌ مهاجرون يعملون في أحد الحقول الزراعية بكندا، في مشهدٍ يُسلّط الضوء على اعتماد البلاد على اليد العاملة الأجنبية في القطاع الزراعي – الصورة لـ سي بي سي نيوز

الحكومة نفسها اعترفت في مذكرة داخلية عام 2024 أن 40% من العمال الموسميين يقيمون في مساكن جماعية غالبًا ما تكون مكتظة ومخالفة لأدنى معايير الصحة والسلامة، ورغم الوعود بتحسين الوضع، لم تعتمد بعد أي لوائح فيدرالية ملزمة، مما ترك التفتيش والتنفيذ في يد المقاطعات وأصحاب العمل، أي أن العمال مضطرون للعيش في ظروف قد لا تخضع لأي رقابة فعالة.

الأمر هنا ليس فقط قضية حقوقية أو إنسانية، بل يشكل اختبارًا قانونيًا وأخلاقيًا حقيقيًا. هل يحق للحكومة تشريع اقتطاعات مباشرة من أجور العمال الأكثر ضعفًا دون توفير ضمانات لسكن كريم ورقابة مستقلة؟ وهل يمكن قبول تطبيق مثل هذه الاقتطاعات على الموظفين الدائمين؟ الواقع يشير إلى أن هذه المعاملة تستهدف فئة العمال المؤقتين من الجنوب العالمي فقط، ما يطرح شبهات تمييز صريحة ضد القانون الدولي.

وسط هذا الوضع، تستمر حكومة أوتاوا في التماطل والإشارة إلى “مشاورات مستمرة”، بينما يواصل مئات الآلاف من العمال العيش في مساكن معزولة، بأجور زهيدة، وقد يُجبرون قريبًا على دفع نسبة كبيرة من رواتبهم مقابل مساكن متداعية ومليئة بالمخاطر الصحية.

هذه الأزمة تتزامن مع انتقادات دولية واسعة تجاه سياسات العمل المؤقت في كندا، خاصة بعد تقارير الأمم المتحدة التي وصفت النظام بـ”مستنبت أشكال العبودية الحديثة” بسبب ربط تصاريح العمل بصاحب عمل محدد. كذلك، حذرت منظمات حقوقية كندية من أن استمرار الوضع الحالي يهدد حقوق العمال ويقوض سمعة كندا الدولية.

في ضوء ذلك، تزداد المطالب داخل البلاد لمنح العمال المهاجرين حقوقًا أكبر تشمل حرية التنقل بين أرباب العمل، توفير مساكن آمنة وصحية، وحق الحصول على الإقامة الدائمة، كخطوات حيوية لإنهاء دورة الاستغلال المتكررة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل