العـالم

واشنطن “ تُـديـر” فنزويلا: كيف كشفت تصريحاتُ ترامب عودة منطق الإمبراطوريّة الأمريكيّة

بعد ضربِ كاراكاس وإزاحةِ مادورو، تسعى الوِلايات المتّحدة للسّيطرةِ المباشرة على النّفط والذّهب، وتدخلُ في صراع أمنيّ وسياسيّ مُعقّد، في أخطرِ مُغامرةٍ منذ غزو العراق.

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة “ستدير فنزويلا” ولن تتردد في نشر قوات على الأرض مجرد زلة لسان أو خطاب تعبوي لقاعدته السياسية. هذه التصريحات تمثل المرحلة العلنية من استراتيجية كانت تتبلور منذ أشهر وربما سنوات، تهدف إلى إزاحة نظام نيكولاس مادورو بالقوة المباشرة تحت مزيج من الذرائع القانونية والأمنية والاقتصادية.

رسميًا، قدمت واشنطن العملية باعتبارها امتدادًا لحملة مكافحة “الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، وهو الإطار القانوني الذي استخدمته الإدارة الأميركية لتبرير تدخل عسكري مباشر في دولة ذات سيادة. لكن أكسيوس نقلت عن مسؤولين في البيت الأبيض أن إسقاط مادورو كان هدفًا قائمًا بذاته، وأن ملف المخدرات لم يكن سوى ستار قانوني لتغطية التدخل.

هذا التحرك يعكس انتقال السياسة الأميركية من الضغط والعقوبات إلى استخدام القوة المباشرة والإطاحة برأس السلطة، بعد أن ثبت فشل العقوبات والعزلة الدبلوماسية في تحقيق التغيير المرجو.

مادورو كعدو إقليمي والمخدرات كذرائع

لم تعد واشنطن تنظر إلى مادورو كقضية محلية داخل فنزويلا، بل كـ مصدر تهديد إقليمي مباشر. الإدارة الأميركية تعتبر فنزويلا، إلى جانب كوبا ونيكاراغوا، أضلاعًا رئيسية في ما تصفه بـ “محور الاشتراكية” في نصف الكرة الغربي، وترى أن بقاء مادورو يمنح غطاء سياسيًا وأمنيًا لقوى معادية لمصالح الولايات المتحدة.

هذا البعد الأيديولوجي لا يقل أهمية عن ملف المخدرات، إذ ترى الإدارة أن إسقاط مادورو سيعيد رسم ميزان القوى في أميركا اللاتينية ويوجه رسالة ردع للدول التي تفكر في تحدي النفوذ الأميركي.

ملف تهريب الكوكايين شكّل العمود الفقري للرواية الأميركية. على الرغم من أن بعض التقارير كشفت أن مادورو لا يسيطر بشكل مباشر على بعض العصابات المتهمة، فإن لوائح الاتهام الأميركية تؤكد وجود تواطؤ رسمي أو غضّ طرف ممنهج عن نشاط هذه الشبكات.

كما أن الضربات البحرية الأميركية الأخيرة ضد قوارب المخدرات كانت بمثابة اختبار للقدرة على التصعيد ومقدمة لعملية أوسع، خصوصًا بعد الإعلان عن مكافأة مالية ضخمة لمن يدلي بمعلومات تقود إلى اعتقال مادورو.

مشهد رئيس دولة يقبع في قبضة القوات الأميركية بملابس النوم يرمز إلى التحول الصادم للسيادة الوطنية إلى أداة للقوة الخارجية. اعتقال مادورو بهذه الطريقة يظهر حجم التدخل الأميركي المباشر ويعكس نهجًا غير مسبوق في الهيمنة على فنزويلا والسيطرة على مفاصل الدولة، بما في ذلك النفط والذهب والأمن السياسي – الصورة لـ ترامب على منصة إكس عبر آي بي سي نيوز

النفط والذهب: الجوائز الاستراتيجية

لا يمكن فهم التحرك الأميركي دون النظر إلى النفط. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، ما يجعلها ساحة صراع طاقوي بامتياز، خاصة في ظل التنافس الأميركي مع الصين وروسيا.

تصريحات ترامب لنفس الغرض كانت واضحة، حيث نقلت أكسيوس عن الرئيس قوله: “سنقوم بإدارة البلاد حتى يمكن إجراء انتقال آمن للسلطة … وسنرسل شركات نفط أميركية لإعادة بناء البنية التحتية، ونحن لسنا خائفين من القوات على الأرض إذا لزم الأمر”.

وأضاف ترامب نقلاً عن ذا دايلي ستار: “لن نخشى القوات على الأرض، لدينا استعداد لإعادة الهجوم إذا دعت الضرورة، وسنضمن أن تُدار فنزويلا بصورة عادلة وصحيحة.”

هذا اعتراف صريح بأن النفط ليس مجرد ملف اقتصادي، بل أداة استراتيجية للنفوذ الأميركي المباشر. شركات الطاقة الأميركية ترى في أي تغيير سياسي فرصة لإعادة دخول السوق الفنزويلية بشروط جديدة.

إلى جانب النفط، تبرز احتياطيات الذهب كعامل حساس للغاية، إذ استخدم النظام الفنزويلي الذهب للالتفاف على العقوبات وتمويل احتياجاته خارج النظام المالي الغربي، ما اعتبرته واشنطن تحديًا مباشرًا لفعالية سياستها العقابية.

الجيش الفنزويلي والمعارضة: الصمود والانقسام

رد الجيش الفنزويلي جاء سريعًا. فقد نقلت وكالة الأناضول عن وزير الدفاع الجنرال فلاديميرو باديرينو لوبيز قوله: “هذا أكبر عدوان عسكري على فنزويلا، وسنرفع كامل الجاهزية لمواجهة أي تهديد”.

قبل العملية، كان الجيش في جاهزية قصوى، مع نشر الاحتياطيات في المناطق الحساسة ورفع مستوى الاستعداد الدفاعي. وبعد الهجوم، أصدر الجيش بيانًا رسميًا يندد بالعملية واصفًا إياها بـ انتهاك صارخ للسيادة الوطنية، ما يعكس استراتيجية دفاعية تعتمد الصمود العسكري بدل الانجرار إلى مواجهة مباشرة.

أما المعارضة، فقد انقسمت بين من اعتبر العملية فرصة لتحقيق الحرية السياسية، مثل زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، التي نقلت نيويورك بوست عنها قولها: “لقد حان وقت الحرية.. الساعة التي طال انتظارها قد وصلت”. وبين من حذر من التدخل الأميركي المباشر وتداعياته المحتملة على السيادة الوطنية والاستقرار الداخلي، ما يعكس الانقسام السياسي العميق داخل فنزويلا.

القصف الأميركي على كاراكاس واستهداف أكبر المجمعات العسكرية بفورت تيوينا أثار إدانات زعماء العالم، ويبرز استخدام واشنطن القوة المباشرة لإخضاع فنزويلا وفرض سيطرتها على مواردها الحيوية – الصورة لـ وكالة الصحافة الفرنسية | غيتي إيماجيس عبر أكسيوس

مقامرة الإمبراطورية: رهانات واشنطن المفتوحة

التحرك الأميركي في كراكاس لا يمثل مجرد عملية عسكرية محدودة، بل رهانًا استراتيجيًا شديد المخاطر يضع الولايات المتحدة في مواجهة تعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة.

فنزويلا اليوم ليست مجرد دولة نفطية غنية، بل دولة منهكة تعيش انقسامًا سياسيًا عميقًا بين مؤيدين ومعارضين، ووجود عصابات مسلحة وميليشيات متنفذة، وجيش لا يزال جزء منه مواليًا للنظام السابق، إضافة إلى أزمة اقتصادية واجتماعية امتدت سنوات وأدت إلى نزوح جماعي لملايين الفنزويليين.

هذه البيئة المعقدة تجعل أي إدارة مباشرة لفنزويلا مقامرة على أكثر من مستوى، إذ تتقاطع فيها المصالح الأميركية مع صراع داخلي محتدم، ويصبح الأمن والنفط والهجرة والأيديولوجيا أدوات في لعبة واحدة شديدة الخطورة.

التصريحات العلنية للرئيس ترامب تكشف نوايا واشنطن، إذ قال نقلاً عن أكسيوس: “سنقوم بإدارة البلاد حتى يمكن إجراء انتقال آمن للسلطة، وسنرسل شركات نفط أميركية لإعادة بناء البنية التحتية، ونحن لسنا خائفين من القوات على الأرض إذا لزم الأمر”.

وأضاف نقلاً عن ذا دايلي ستار: “لن نخشى القوات على الأرض، لدينا استعداد لإعادة الهجوم لوسعنا الضرورة، وسنضمن أن تُدار فنزويلا بصورة عادلة وصحيحة”.

هذه الكلمات لا تعكس مجرد إعلان سياسي، بل إشارة إلى اعتماد القوة المباشرة كآلية لإعادة تشكيل الدولة وفق مصالح استراتيجية أميركية واضحة، حيث يتداخل النفوذ الاقتصادي مع الهيمنة السياسية، ويتحول النفط والذهب وأمن الحدود إلى أدوات للسيطرة على المستقبل السياسي لفنزويلا.

تاريخ التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية يقدم تحذيرات واضحة، إذ أن إدارة دولة معقدة كهذه قد تغرق الولايات المتحدة في مستنقع طويل الأمد، يعيد إلى الأذهان تجارب التدخل السابقة التي لم تحقق أهدافها المرجوة، ويمثل خطرًا كبيرًا على صورة واشنطن الدولية وعلى التوازنات الإقليمية.

ومع ذلك، يرى صانعو القرار الأميركيون أن المخاطر مستحقة مقابل استعادة النفوذ الاستراتيجي والسيطرة على الموارد الحيوية، ما يجعل هذه العملية مقامرة إمبراطورية عالية المخاطر، تكشف عن عودة منطق القوة العارية في السياسة الأميركية.

طائرة تقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تصل منذ قليل إلى مطار عسكري في نيويورك بعد اعتقاله من قبل القوات الأميركية، وسط إجراءات أمنية مشددة. بحسب خبراء، المشهد يعكس استثنائية العملية العسكرية ويثير تساؤلات حول احترام القانون الدولي وسيادة الدولة، إذ يُعتبر اعتقال رئيس دولة على أراضي بلده دون موافقة الحكومة تدخلاً غير قانوني محتمل – الصورة لـ رويترز عبر فرانس 24

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل