سجلاتٌ سرّية تكشف مراقبة وكالة الاستخبارات الكنديّة للشعوب الأصليّة
في لحظة سياسية وأمنية حساسة، عادت وكالة الاستخبارات الكندية إلى واجهة الجدل العام بعد نشر وثائق رسمية رُفع عنها التصنيف الأمني جزئيًا، كشفت عن تاريخ طويل من مراقبة السكان الأصليين، وأعادت فتح ملف شائك ظل لسنوات حبيس الأرشيفات المغلقة. هذه الوثائق، التي نشرتها هيئة الإذاعة الكندية (سي بي سي) لأول مرة للرأي العام بعد مسار قانوني طويل للحصول على حق الوصول إليها، لم تطرح فقط أسئلة حول الماضي، بل فجرت نقاشًا عميقًا حول الحاضر: هل تغيّرت نظرة الدولة فعليًا إلى احتجاجات السكان الأصليين، أم أن المقاربة الأمنية لا تزال تحكم العلاقة وإن تغيّرت لغتها؟
الشرارة الأخيرة تعود إلى مطلع عام 2026، حين نشرت شبكة البث تحقيقًا استقصائيًا ضمن برنامجها الخاص بشؤون السكان الأصليين، نقل فيه مسؤولان من وكالة الاستخبارات الكندية، بشرط عدم الكشف عن هويتهما، رسالة واضحة مفادها أن الوكالة “تسعى إلى إصلاح إرث من انعدام الثقة” الذي خلّفته سنوات من مراقبة نشطاء السكان الأصليين وتصنيفهم ضمن ما كان يُعرف داخليًا ببرنامج “التطرف الأصلي”. وبحسب أحد المسؤولين، فإن “ما كان يجري في تسعينيات القرن الماضي لا يعكس واقع اليوم”، معتبرًا أن التقارير الحديثة تمثل “نافذة على الماضي” و”درسًا مؤلمًا” للمؤسسة الأمنية.
غير أن هذا الخطاب التصالحي لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع نشر وثائق مرفوعة عنها السرية أظهرت أن وكالة الاستخبارات الكندية بدأت رسميًا منذ عام 1988 التحقيق في شؤون السكان الأصليين، انطلاقًا من ملف يتعلق بأمة الإينو في لابرادور، في سياق الحرب الباردة ومخاوف التدخلات الأجنبية. وتبيّن الوثائق، التي حصلت عليها الشبكة عبر طلبات وصول إلى المعلومات وطعون قانونية لاحقة، أن تلك التحقيقات لم تكن محدودة أو عابرة، بل تطورت خلال أكثر من عقد إلى برنامج واسع النطاق صنّف نشطاء ومدافعين عن الأرض ضمن خانة “التطرف الداخلي”.

المراقبة الأمنية للسكان الأصليين منذ 1988
ووفق الوثائق ذاتها، فإن هذا البرنامج، الذي استمر فعليًا بين عامي 1988 و1999، شمل شبكة “مصادر موجّهة، واتصالات محمية، وتنسيقًا دائمًا مع الشرطة”، وبقي قائمًا حتى أواخر التسعينيات. محللون أكاديميون، نقلت عنهم الهيئة الإعلامية، وصفوا هذا النهج بأنه “مفرط، ومتحيز، ومشحون بذهنية استعمارية”، معتبرين أن الدولة تعاملت مع مطالب السكان الأصليين بوصفها تهديدًا أمنيًا بدل كونها قضية حقوقية وسياسية.
اللافت في هذه الوثائق، كما أظهرت تقارير الشبكة السابقة، هو تأكيدها على تورط وكالة الاستخبارات الكندية في مراقبة أحداث مفصلية في تاريخ كندا الحديث، من بينها أزمة أوكا عام 1990، ومواجهات إيبرواش وغوستافسن ليك عام 1995. ففي حالة إيبرواش، كشفت الوثائق أن الوكالة كانت “تنشط ميدانيًا” وتراقب ما تسميه “التطرف الأصلي” قبل أسابيع من مقتل الناشط دودلي جورج برصاص شرطة أونتاريو، وهو حدث لا يزال يمثل جرحًا مفتوحًا في ذاكرة السكان الأصليين.

هذه الخلفية التاريخية تفسّر، إلى حد بعيد، ردود الفعل المتشككة إزاء الخطاب الجديد لوكالة الاستخبارات. فالناشطة الكانيينكههاكية (موهوك) كاتسيتساكواس إيلين غابرييل، التي كانت المتحدثة باسم شعب كاهناسيتاكي خلال أزمة أوكا، عبّرت عن رفضها القاطع لرواية الوكالة قائلة: “لا أصدقهم. هذا مجرد شكل آخر من الدعاية، وهو مجال تتقنه الدولة جيدًا”. وأضافت: “دائمًا ما استُخدم مفهوم المصلحة الوطنية لتبرير العنف الذي مارسته الدولة، لذلك لا سبب لدينا لنثق بوكالة الاستخبارات أو بالحكومة”.
غابرييل، التي تؤكد أنها خضعت لمراقبة مستمرة بعد أزمة أوكا، قالت إن وكالة الاستخبارات الكندية ذهبت إلى حد مشاركة ملف أمني عنها مع القنصلية اليابانية في مونتريال، في محاولة لمنعها من السفر إلى اليابان. وبحسب قولها، فإن المشكلة لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالحاضر أيضًا، إذ ترى أن “أي شخص يقف اليوم في وجه مشاريع الموارد الطبيعية، خاصة المعادن النادرة، قد يُصنّف بسهولة كتهديد داخلي”.

انعدام الثقة بين الوكالة والمجتمعات الأصلية
في المقابل، حاول مسؤولو الوكالة رسم صورة مغايرة، مؤكدين أن المقاربة الجديدة تقوم على “الشراكة لا المراقبة”، مشيرين إلى أن الوكالة بدأت منذ عام 2022 التواصل المباشر مع منظمات وطنية مثل جمعية الأمم الأولى ومنظمة إنويت تابيريت كاناتامي، في ظل مخاوف من تدخلات أجنبية وتجسس في شمال البلاد. وقال أحد المسؤولين: “في الماضي كنا سنعتمد فقط على جمع المعلومات الاستخباراتية، أما اليوم فنشارك المعلومات ونبني جسورًا”.
لكن حتى داخل هذا المسار الجديد، تعترف الوكالة بوجود صعوبات. إذ أقرّ مسؤول ثانٍ بأن الاستجابة من جانب الإنويت كانت “محدودة”، بينما كان التقدم مع الأمم الأولى “أبطأ بكثير”، مضيفًا: “انعدام الثقة ما زال حاضرًا وبقوة”. وهو اعتراف يعكس عمق الفجوة التي خلّفها تاريخ طويل من المقاربة الأمنية.
الجدل لم يتوقف عند حدود النشطاء، بل امتد إلى الأوساط الأكاديمية. فالبروفيسور جيفري موناغان، أستاذ علم الجريمة بجامعة كارلتون، قال في تصريح نقلته الهيئة الإعلامية إن لجوء وكالة الاستخبارات إلى استخدام استثناء “التهديد للأمن القومي” لحجب وثائق تتعلق باحتجاجات السكان الأصليين، “يشير إلى أن الوكالة ما زالت تنظر إلى هذه التحركات من منظور سيادي أمني”. وأضاف: “الاستخبارات لا تجمع المعلومات صدفة، بل لأنها تعتبر أن ما يحدث يندرج ضمن تصنيفاتها المسبقة للتهديد”.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما ورد في تقرير آخر حول احتجاجات عام 2020 الداعمة لزعماء الوراثة في ويتسويتن، حيث أكدت وزارة السلامة العامة آنذاك أن وكالة الاستخبارات “لا تحقق في الاحتجاجات القانونية”، لكنها في الوقت ذاته لم تنفِ استخدام الوكالة لإعفاءات أمنية لحجب معلومات عن تلك الأحداث. هذا التناقض بين الخطاب العلني والممارسة الفعلية غذّى الشكوك حول حقيقة التغيير المعلن.
سياسيًا، تربط وكالة الاستخبارات تحولها المعلن بسلسلة أحداث شهدتها كندا خلال العقد الأخير. فبحسب أحد مسؤوليها، فإن أجندة “المصالحة” التي أطلقها رئيس الوزراء السابق، جاستن ترودو، وتوصيات لجنة الحقيقة والمصالحة عام 2015، وتأثير القاضي الراحل موراي سنكلير، إضافة إلى الصدمة الوطنية بعد اكتشاف مقابر غير موثقة قرب مدارس داخلية سابقة للسكان الأصليين عام 2021، كلها عوامل دفعت الوكالة إلى مراجعة سياساتها. كما أشار المسؤولون إلى أن إقرار تشريع تطبيق إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية شكّل نقطة تحول، معتبرين أن وكالة الاستخبارات الكندية أصبحت “الأولى عالميًا” التي تدمج مثل هذه الالتزامات الحقوقية في عملها.
غير أن منتقدين يرون أن هذه الخطوات، رغم أهميتها الرمزية، تظل ناقصة. فإيلين غابرييل شددت على أن ما ينقص هو “الاعتذار، والشفافية الطوعية، وضمانات حقيقية بعدم العودة إلى الممارسات القديمة”، وقالت بلهجة حاسمة: “كل ما قامت به وكالة الاستخبارات لا يمكن غفرانه. لم نسمع اعتذارًا واحدًا عن انتهاك الخصوصية أو عن وصمنا كمجرمين أو إرهابيين”.

برنامج “التطرف الأصلي” وتأثيره على الأمن الوطني
هنا، يتجاوز النقاش حدود الماضي ليصل إلى سؤال جوهري حول طبيعة الدولة الحديثة وحدود الأمن القومي. فالتقارير، استنادًا إلى وثائق رسمية رُفع عنها التصنيف، تُظهر أن العلاقة بين الدولة والسكان الأصليين لم تكن يومًا محايدة، بل محكومة غالبًا بعدسة أمنية ترى في المطالبة بالأرض والسيادة الثقافية تهديدًا محتملًا. ومع أن وكالة الاستخبارات الكندية تؤكد اليوم أنها “تغيّرت”، إلا أن غياب الثقة، المتراكم عبر عقود، يجعل هذا الادعاء موضع اختبار دائم.
ولا تكشف هذه الوثائق فقط ما جرى خلف الكواليس، بل تضع الرأي العام أمام حقيقة معقدة، وهي أن المصالحة، إذا لم تُترجم إلى سياسات شفافة ومساءلة حقيقية، تبقى مجرد خطاب. وبين ما تقوله الدولة عبر جهازها الاستخباراتي، وما عاشه السكان الأصليون على الأرض، تستمر فجوة الثقة كأحد أخطر التحديات التي تواجه كندا في سعيها لإعادة تعريف علاقتها مع شعوبها الأصلية. هذه ليست قصة من الماضي فحسب، بل معركة سردية حول من يملك تعريف “الأمن”، ومن يدفع ثمنه.




