أفــريقيا والساحـل

هل يتحوّلُ السّاحلُ الإفريقيّ إلى مسرحٍ لصراع النّفوذ المُتنامي بين أوكرانيا وروسيا؟

لطالما اقتصرت العمليات العسكرية الأوكرانية على حدود بلادها، لكن التطورات الأخيرة كشفت عن تحوّل استراتيجي غير مسبوق، يدفع كييف إلى الانخراط في صراعات بعيدة عن جغرافيتها التقليدية. في الساحل الإفريقي، بدا الصراع الروسي – الأوكراني وكأنه يترجم نفسه على الأرض، بعد أن أعلنت مالي والنيجر قطع علاقاتهما الدبلوماسية مع كييف، في أعقاب تقارير غربية تحدثت عن تورط أوكرانيا في هجوم جماعة الطوارق ضد الجيش المالي المدعوم من “الفيلق الأفريقي” الروسي.

ووفق شبكة فرانس 24، أسفرت المعارك التي وقعت بين 25 و27 يوليو/تموز 2024 في تينزاواين قرب الحدود الجزائرية عن مقتل 84 مقاتلًا روسيًا و47 عسكريًا من الجيش المالي.

ولم تقتصر العمليات الأوكرانية على مالي؛ فقد كشفت الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023 عن تدخلات مباشرة من الأطراف الأجنبية، حيث بدا دعم أوكراني ملموس للجيش السوداني. زوّدته كييف بطائرات مسيرة انتحارية من طراز “FPV”، استخدمها الجيش في شن هجمات دقيقة ضد مواقع قوات الدعم السريع المدعومة روسيًا عبر عناصر فاغنر آنذاك، ما قلب موازين القوى على الأرض.

يعكس هذا التدخل قدرة أوكرانيا على توسيع نفوذها العسكري خارج حدودها الأوروبية التقليدية، حيث لم يستمر التدخل الأوكراني طويلاً في حرب السودان، إذ أعادت النظر في دعمها للحكومة بعد ما تطورت علاقة الأخيرة بموسكو، ويثير ذلك تساؤلات جدّية حول احتمال أن يتحول الساحل الإفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات بين موسكو وكييف، مع تداعيات أمنية وسياسية بالغة على استقرار المنطقة.

في السودان، تتقاطع حسابات القوى الدولية مع نزيف الداخل، لتتحوّل الأزمة من صراع محلي إلى ساحة مفتوحة لتصفية النفوذ. وبين تمدد روسيا ومحاولات أوكرانيا للوجود، يبقى السودانيون وحدهم من يدفعون ثمن حرب لا صوت لهم فيها – الصورة لـ وكالة الأنباء الفرنسية | غيتي إيماجيس عبر ذا نيويورك تايمز

المسيرات تغيّر موازين القوى في السودان

كشف تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال في مارس 2024 عن تدخل استراتيجي من أوكرانيا في السودان، حين وجد رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، نفسه محاصرًا في الخرطوم على يد قوات الدعم السريع المدعومة روسيًا آنذاك. في خطوة مفاجئة، لبّت كييف نداء البرهان، وأرسلت كتيبة من القوات الخاصة تضم نحو 100 جندي إلى السودان في أغسطس 2023، إلى جانب تزويد الجيش السوداني بمجموعة من الطائرات المسيرة الانتحارية “FPV”، ما أحدث تحوّلًا كبيرًا في مسار المعارك لصالح القوات الحكومية، خصوصًا في العاصمة الخرطوم وولايتَي الجزيرة وسنار، مؤكدًا قدرة أوكرانيا على إعادة رسم موازين القوى خارج حدودها التقليدية. لكن في السياق ذاته، أعادت موسكو النظر في دعمها لقوات الدعم السريع، مما أسهم بشكل مباشر في تراجع الدور الأوكراني في السودان، وذلك في يوليو 2024.

كيف لعبت المعلومات الاستخباراتية دورًا في النزاع؟

بعد معركة تينزاواين في شمال مالي وتداعياتها على أمن واستقرار الساحل، أشار أندريه يوسوف، المسؤول الرفيع في المخابرات الأوكرانية، إلى أن كييف زوّدت جبهة تحرير الأزواد بمعلومات استخبارية مكّنتهم من توجيه ضربات فعّالة ضد الجيش المالي والفيلق الأفريقي الروسي، متوعدًا في تصريحات صحفية: “سترون المزيد في المستقبل”.

وفي خطوة أثارت الجدل، نشر يوري بيفوغاروق، السفير الأوكراني في داكار، مقطع فيديو أكد فيه أن أوكرانيا لعبت دورًا محوريًا في معركة تينزاواين، وقدمت دعمًا لجماعات الطوارق والعرب، ما يعكس تصاعد النفوذ الأوكراني في النزاعات خارج أوروبا.
ويرى عبد الصمد مبارك، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن أي تحليل لدور أوكرانيا في الساحل يجب أن يأخذ في الاعتبار الأزمة الأمنية العميقة التي تعاني منها دول المنطقة، حيث أدت النزاعات المسلحة المتكررة وفوضى الانقلابات العسكرية إلى انعدام استقرار سياسي مستمر، وفرض حالة استثناء وطوارئ في مالي وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر والسودان.

ويضيف مبارك في حديثه مع “هنا كندا” أن الوضع الراهن يعكس سياقًا معقدًا لتشابك النفوذ الدولي، إذ تتنافس القوى الكبرى على التأثير داخل الأنظمة العسكرية المحلية، مشيرًا إلى التحالف الأخير بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الذي يسعى لمواجهة المخاطر المتنامية في الساحل، وتحدّي المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، في ظل تصاعد الصراعات على النفوذ والموارد.

تظهر هذه الصورة مقاتلي الأزواد في منطقة تينزواتين شمال مالي قرب الحدود مع الجزائر، إلى جانب علم أوكرانيا، لتكشف عن مدى التعقيد المتزايد لصراع النفوذ في الساحل الإفريقي. فقد تلقى المقاتلون دعمًا مباشرًا من أوكرانيا عبر طائرات مسيرة، وأسلحة متقدمة، ومعلومات استخباراتية، ما حول المواجهات المحلية إلى امتداد مباشر للصراعات الدولية. في الوقت نفسه، يبقى أمن المنطقة واستقرار شعوبها الضحية الأولى – الصورة لـ موقع جايمس تاون الإخباري

تصاعد صراع النفوذ يضاعف المخاطر في الساحل

يشير مبارك إلى أن الساحل يشهد تصاعدًا غير مسبوق لصراع النفوذ بين القوى العظمى والفاعلين المحليين، ما يعقد المشهد الأمني والسياسي. ويعتبر أن التطورات الأخيرة في شمال مالي تمثل نتيجة طبيعية للقرار العسكري في مالي بالتخلي عن “اتفاقية الجزائر” عام 2015 مع الطوارق، ما فتح الباب أمام تصعيد التوترات والنفوذ الخارجي.

ويضيف أن النفوذ الروسي لم يعد محصورًا في البعد العسكري، بل امتد ليشمل الهيمنة الاقتصادية على قطاعات استراتيجية، أبرزها التعدين في الذهب والفوسفات والمعادن النادرة مثل الكوبالت، كما يتضح من سيطرة روسيا على قطاع التعدين في السودان. هذه الهيمنة تجعل من الساحل مساحة مواجهة مزدوجة – اقتصادية وعسكرية – تمثل تحديًا مباشرًا لاستقرار المنطقة.

ويخلص مبارك إلى أن الحضور الروسي المتنامي سيدفع كييف إلى تصعيد استراتيجياتها لمواجهته، بما يشمل التأثير المباشر على الاقتصاد الروسي، ما يعكس نفسه على مسارات الحرب في أوكرانيا ويحوّل الساحل إلى رقعة صراع استراتيجي متعددة الأبعاد، تشكل محور توتر دولي محتمل في القارة الأفريقية.

كييف تحاصر موسكو في عمق أفريقيا

منذ اندلاع الحرب، أدركت كييف أن معركتها مع موسكو لا تُحسم بالبندقية على الجبهة الأوروبية وحدها، بل تمتد أيضًا إلى قاعات التصويت الدولية وأروقة النفوذ في أفريقيا، حيث تملك القارة ثقلًا دبلوماسيًا واقتصاديًا مهمًا، وعلى أرصفة موانئها تتجذر مصالح روسيا بشكل متزايد.

أطلقت أوكرانيا استراتيجيتها الأفريقية الأولى بعد اندلاع القتال عام 2022، مع أهداف واضحة: مواجهة الرواية الروسية، زيادة حجم التجارة والاستثمار، وتعزيز النفوذ في قارة لا تزال تتذكر الدعم الروسي خلال الحرب الباردة ومواقف موسكو المناهضة للتحرر الأفريقي.

اعتمدت كييف خطة ثلاثية الأبعاد: دبلوماسية، اقتصادية، وأمنية، بهدف تحجيم النفوذ الروسي وإعادة تشكيل موازين القوى. دبلوماسيًا، عين الرئيس فولوديمير زيلينسكي ممثله الخاص للشرق الأوسط وأفريقيا، ماكسيم سوبك، لتعزيز التنسيق، وتبع ذلك جولات مكثفة لمسؤولين أوكرانيين شملت زيارة زيلينسكي التاريخية إلى جنوب أفريقيا، الحليف التقليدي لموسكو.

وعلى الصعيد المؤسسي، أعلنت وزارة الخارجية الأوكرانية بين عامي 2022 و2025 افتتاح أو التخطيط لإنشاء 10 سفارات جديدة في دول أفريقية لم يكن لها أي تمثيل سابق، إلى جانب إعادة تنشيط بعثات قديمة، في إطار استراتيجية شاملة لتعزيز النفوذ ومواجهة النفوذ الروسي المتنامي على الأرض والدبلوماسية والقوى الاقتصادية.

في يوليو 2024، أكدت المخابرات العسكرية الأوكرانية تورطها في الكمين القاتل الذي نفذه متمردو مالي ضد مقاتلي مجموعة فاغنر الروسية، بعد أن زودتهم بالمعلومات اللازمة للهجوم. تعكس هذه العملية مدى توسع رقعة الصراعات الدولية، حيث تتحول النزاعات الإقليمية إلى ساحات نفوذ استراتيجية للقوى الكبرى – الصورة لـ وكالة الأنباء الفرنسية | غيتي إيماجيس عبر ذا غوارديان

التدخلات الخارجية تتحول إلى واقع ملموس

يشير أستاذ العلاقات الدولية، عبد المنعم محمد عبد الله، إلى أن الساحل الأفريقي أصبح بيئة خصبة لأي تدخلات خارجية، سواء كانت عسكرية، اقتصادية، أو لوجيستية، حيث يسعى كل طرف للحصول على دعم بالسلاح أو المقاتلين، أو حتى المشاركة المباشرة لقوات على الأرض، وإن كان ذلك محدودًا.

ويضيف عبد الله: “تشير كل المؤشرات إلى ظهور قوات خاصة أوكرانية في السودان ومالي، ودخولها لم يكن خلسة، بل تم بموافقة وتنسيق كامل مع السلطات المحلية، في وقت تبحث فيه الأطراف عن أي دعم خارجي لتعزيز مواقعها.”
ويعتبر أن الوجود الأوكراني، رغم محدوديته المباشرة، قد يفتح الباب أمام تدخلات فاعلين آخرين، مضيفًا: “إذا كانت أوكرانيا تهدف لتأكيد قدرتها على مواجهة الأذرع الروسية داخل أفريقيا، فإن موسكو بالتأكيد لها ترتيبات مضادة لتعزيز حضورها وحماية مصالحها”. ويشير إلى أن استهداف مجموعة فاغنر في السودان ليس عسكريًا فحسب، بل اقتصاديًا أيضًا، بهدف الحد من نشاط المجموعة في قطاع الذهب ووقف التدفقات المالية الضخمة التي ساهمت في تخفيف وطأة العقوبات الغربية على روسيا.

وعلى الجانب الإنساني، لا تغفل كييف تعزيز نفوذها من خلال مبادرات إنسانية استراتيجية، مثل برنامج “حبوب من أوكرانيا”، الذي أطلقته لتقديم المساعدات الغذائية لدول الساحل الأفريقي المتضررة من أزمة الغذاء العالمية الناتجة عن الاضطرابات في سلاسل توريد القمح والحبوب بفعل الحصار الروسي للموانئ الأوكرانية في البحر الأسود. ويضيف عبد الله: “المبادرة ساهمت في كسب تأييد الحكومات الأفريقية، ومن المتوقع أن يتنامى النفوذ الأوكراني في الساحل، بما يفرض ضغطًا إضافيًا على المصالح الروسية في المنطقة”.

كاتب

د. محـمد تـورشين

باحث وكاتب في الشؤون الإفريقية | باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل