كنـدا الآن

شعبُ الهايدا يستعيدُ سيادتهُ في ظِلِّ تغَيُّرِ القيادةِ الكنديَّة

في مرحلة مفصلية تمرّ بها كندا، تعود قضية الشعوب الأصلية إلى صدارة النقاش الوطني، مدفوعةً بنماذج حقيقية من الاستعادة السيادية، تتقدّمها تجربة شعب الهايدا. هذا الشعب، الذي تضرب جذوره في أرخبيل “هايدا غواي” منذ آلاف السنين، نجح في انتزاع اعتراف تاريخي من الدولة الكندية، في لحظة سياسية حساسة أعقبت انتقال السلطة إلى الحكومة الجديدة عقب فوز مارك كارني في الانتخابات الفيدرالية التي أُجريت في مايو 2025.

وفيما تسعى كندا إلى إعادة بناء علاقتها مع شعوبها الأصلية على أسس من الاحترام المتبادل، يبرز نضال الهايدا كأحد أبرز مظاهر التحوّل من التهميش إلى التمكين، ومن الإنكار إلى الشراكة السيادية. ويواصل هذا الشعب تعزيز سيادته على أرخبيل “هايدا غواي”، وسط تحولات سياسية تشهدها البلاد.

يمثّل شعب الهايدا أحد الشعوب الأصلية البارزة في الساحل الشمالي الغربي لكندا، ويُقدّر عددهم حاليًا بنحو 4500 نسمة، معظمهم يقيمون في جزر “هايدا غواي”، والبقية موزّعون في مناطق جنوب ألاسكا. تعود جذورهم إلى أكثر من 13 ألف عام، حيث عاشوا كصيادين وجامعي ثمار، وتطوّرت ثقافتهم البحرية والفنية لتشمل أشكالًا فريدة من النحت على الأخشاب، وأعمدة الطوطم، والطقوس الجماعية المرتبطة بالطبيعة.

قبيلة الهايدا هي إحدى قبائل السكان الأصليين في شمال غرب أمريكا، وكانت تقيم في هايدا غواي، وهي أرخبيل يقع قبالة ساحل كولومبيا البريطانية في كندا. وقد عاشت هذه القبيلة في نفس المنطقة لآلاف السنين – الصورة لـ ذا هيستوري جانكي

امتدّت معاناة شعب الهايدا لعقود بفعل سياسات الإقصاء ونزع الأراضي والاستيعاب القسري، لا سيما من خلال نظام المدارس الداخلية التي فرضتها الحكومة الكندية في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث فُصل الأطفال قسرًا عن عائلاتهم بهدف “إعادة تأهيلهم” ثقافيًا، ما تسبّب في جروح مجتمعية عميقة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

لكنّ الهايدا واجهوا ذلك بتنظيم سياسي مستمر بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، بقيادة مجلس أمة الهايدا، الذي تأسّس عام 1974، وكان بمثابة حكومة غير رسمية للشعب. وفي عام 2009، تم الاعتراف الرسمي باسم “هايدا غواي” بدلًا من الاسم الاستعماري “جزر الملكة شارلوت”، وهو اعتراف رمزي مهم.

وقّع رئيس الوزراء الأسبق جاستن ترودو ورئيس أمة الهايدا، غاغويس جيسون ألسوب، وثائق خلال تجمع مجتمعي للاحتفال باتفاقية ملكية الأراضي، في سكيديغيت، بمقاطعة كولومبيا البريطانية، في جزيرة هايدا غواي، فبراير 2025 – الصورة لـ رادية كندا عبر ذا كنديان برس

التحوّل الفعلي جاء مع توقيع اتفاقية “أراضي المدّ الكبير” في يونيو 2024، بين الحكومة الفيدرالية ومجلس أمة الهايدا، ونصّت على الإدارة المشتركة للجزر، ومنحت الهايدا سندات ملكية قانونية للأراضي، وحقوقًا موسّعة في إدارة الموارد الطبيعية، وتنظيم التعليم، وتطوير السياسات البيئية والثقافية.

وبحسب النص الرسمي للاتفاق، الذي نشره موقع مجلس أمة الهايدا، فإن شعب الهايدا “يمتلك السيادة الأخلاقية والقانونية على كامل أراضي الأرخبيل، مع احترام بنود الدستور الكندي والمواثيق الدولية الخاصة بالشعوب الأصلية”. ويشمل الاتفاق كذلك بنودًا حول حماية اللغة الهايدا، وإقامة نظام قضائي محلّي يتوافق مع الأعراف التقليدية.

الاتفاقية الجديدة_التي تُعدّ الأولى من نوعها في تاريخ كندا حيث تعترف الحكومة بحق السيادة الأصلية على كامل إقليم هايدا غواي — هي الآن في طور الإقرار ضمن قوانين مقاطعة كولومبيا البريطانية – الصورة لـ ذا نارووهال عبر موقع إقليم مقاطعة كولومبيا البريطانية

وفي تصريحات لصحيفة “ذا تايي” الكندية المستقلة، قالت الناشطة الهايدا كيم غودمان: “لا نريد وعودًا فارغة بعد الآن. نريد شراكة حقيقية تحترم أرضنا وثقافتنا”. كما نقل موقع “إنديجي نيوز”، المتخصّص في أخبار السكان الأصليين، عن كبير الشيوخ ألبرت إدنس تأكيده أن “هذا الاتفاق هو بداية، لا نهاية، لمسيرة استعادة السيادة على أرض الأجداد”.

من حيث التمويل، خصّصت الحكومة الفيدرالية الكندية منذ عام 2020 أكثر من 85 مليون دولار لدعم مشاريع البنية التحتية والتعليم والحفاظ البيئي في هايدا غواي، وفقًا لتقارير صادرة عن وزارة العلاقات مع السكان الأصليين. وفي أعقاب الاتفاق الأخير، أعلنت وزارة المالية عن حزمة دعم إضافية بقيمة 42 مليون دولار لعامي 2025–2026، تشمل إنشاء جامعة محلية، وتوسيع خدمات الصحة المجتمعية، ومشاريع الإسكان المستدام.

في يوليو 2025، أعلنت وزارة التراث الكندية بالشراكة مع حكومة هايدا المحلية عن إطلاق أول جامعة مجتمعية متخصصة في لغات وثقافات الساحل الشمالي، وهي مبادرة غير مسبوقة ستبدأ برامجها في ربيع 2026، وتُعنى بتدريب المعلمين الأصليين وتوثيق اللغة الهايدا المهددة.

ثقافيًا، لا يزال الهايدا يحافظون على إرثهم الفني من خلال المنحوتات البحرية وأعمدة الطوطم، إضافة إلى فنون الحكي التقليدي والرقصات الطقسية. ويُعقد كل عام مهرجان “هايدا الصيفي” الذي يجمع السكان المحليين والزوار من أنحاء كندا والعالم، للاحتفال بالهوية الثقافية وتعزيز الروابط المجتمعية.

تُظهر الصورة امرأة من مجتمع الهايدا وهي تقوم بنحت طوطم خشبي في جزيرة هايدا غواي، في تعبير فني عن ارتباطها الثقافي والروحي العميق بأرض الأجداد. يُعدّ الطوطم في معتقدات الهايدا رمزًا لهوية العائلة والسلالة، ووسيلة لتخليد القصص والأساطير والقيم التي تنتقل عبر الأجيال – الصورة لـ ذا كونفارزيشن عبر ذا كنديان برس

رغم هذه المكتسبات، لا تزال هناك تحديات ملحّة، أبرزها المطالبة بوقف مشاريع التنقيب البحري قرب السواحل، وتعزيز الحماية البيئية، وتوسيع الحكم الذاتي ليشمل السياسة الجنائية والإدارة القضائية. كما يسعى قادة الهايدا إلى إدماج وجهات نظرهم في السياسات الفيدرالية الخاصة بالتغيّر المناخي.

وقد عبّر رئيس الوزراء مارك كارني، الذي تولّى منصبه في مايو 2025، عن التزامه بتنفيذ الاتفاقيات الموقّعة، مؤكّدًا في أول خطاب له أن “الاعتراف بالحقوق السيادية للشعوب الأصلية ليس خيارًا سياسيًا، بل التزام تاريخي”.

تُعدّ تجربة الهايدا اليوم نموذجًا فعليًا للسيادة الأصلية داخل كندا، ومع تغيّر القيادة السياسية في أوتاوا، يترقّب المراقبون كيف ستُترجم الوعود إلى سياسات مستدامة.

لقطة جوية لجزيرة غراهام في هايدا غواي – الصورة لـ دايلي هايف عبر شاترستوك

غير أن اختبار الجدية الحقيقية سيكمن في قدرة الحكومة الفيدرالية الجديدة على احترام الاتفاقات، وضمان استمرارية التمويل، وتفعيل آليات التنفيذ المشترك للسياسات المحلية. وفي وقت تتّجه فيه كندا لتعزيز نهج المصالحة، تبقى تجربة شعب الهايدا شاهدًا على أن استعادة السيادة ليست حدثًا، بل مسار طويل يتطلّب شراكة قائمة على الاحترام والعدالة والإرادة السياسية.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل