تحوّلٌ اِستراتِيجيّ في سياسةِ الهجرةِ الكندِيّة ببرنامج كفالةِ الوالدين 2025
في تحرّك مفصلي أثار اهتمام آلاف الأسر الكندية، أعلنت حكومة رئيس الوزراء مارك كارني عن إعادة فتح برنامج كفالة الوالدين والأجداد، معلنة إرسال 17,860 دعوة لتقديم طلبات الإقامة الدائمة. هذا القرار، الذي طال انتظاره، يعكس رغبة الحكومة في معالجة أزمة اجتماعية مزمنة داخل المجتمع الكندي، ويُعدّ انفراجة بارزة في ملف لمّ الشمل العائلي، بحسب ما نقلته وسائل إعلام وطنية.
وفي مؤتمر صحفي رسمي، شدد كارني على أن “البرنامج لا يُجسّد فقط سياسة هجرة، بل يعكس التزامًا إنسانيًا يجسّد القيم الكندية القائمة على التضامن والترابط الأسري.” وأضاف أن الحكومة ستعتمد على أحدث التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتسريع معالجة الطلبات، مشيرًا إلى أن الهدف هو تقليص مدة الانتظار من عدة سنوات إلى أقل من عام، وفقًا لما أوردته صحيفة “الغارديان” البريطانية.
رغم الترحيب الواسع، لم يخلُ الإعلان من انتقادات. فقد أعربت جيني كوان، نائبة البرلمان عن الحزب الديمقراطي الجديد، عن استيائها من آلية اختيار المتقدمين، ووصفت النظام الحالي بأنه “منحاز” يترك عشرات الأسر خارج دائرة الاستفادة، بحسب تقرير نشرته صحيفة “تورونتو ستار”. وأضافت: “ما لم تحدث إصلاحات جذرية، سيبقى البرنامج وعدًا غير مُتحقق للكثيرين.”
أما المحامي المتخصص في شؤون الهجرة أرمين خوسه، فقال في تصريح لشبكة “سي بي سي” الكندية، إن البرنامج من أكثر الملفات حساسية، “كونه يتعامل مع قصص إنسانية لأسر تنتظر لَمّ شملها في سنوات متأخرة من العمر.” وأكد أن الشروط المالية الجديدة التي فرضتها الحكومة توازن بين حماية الموارد العامة وضمان الحق العائلي.

ويتطلب برنامج كفالة الوالدين من الكفيل إثبات دخل سنوي مستقر يغطي دعم المكفولين لمدة تصل إلى 20 عامًا، وهو شرط وصفه مسؤول في وزارة الهجرة بأنه “ضروري لضمان استقلالية الوافدين الجدد وتقليل الاعتماد على الخدمات الاجتماعية”، وفقًا لما نشره الموقع الرسمي لوزارة الهجرة الكندية.
وتتجلّى الأبعاد الإنسانية للبرنامج في شهادات مثل قصة مريم الخطيب، مواطنة كندية من تورنتو، التي صرّحت لقناة “سي تي في” بأنها انتظرت خمس سنوات لتلقي الدعوة لتقديم طلب كفالة والديها. وقالت: “كل يوم يمرّ وهم بعيدون عني هو ألم لا يوصف. في لبنان، يعيشان ظروفًا صعبة لا يتمناها أحد.” وأضافت: “اليوم أشعر أن أملي عاد من جديد.”
على مستوى المجتمع المدني، بدأت مراكز ومؤسسات دعم المهاجرين في الاستعداد لتقديم المساعدة، حيث أعلنت مؤسسات مثل “كوستي” في تورونتو و”موزاييك” في فانكوفر عن عقد ورش عمل قانونية واستشارية، وفق تصريحات راج سينغ، مدير مركز دعم المهاجرين، التي نقلتها مجلة “المهاجر الكندي”. وأكد سينغ أن الإقبال على البرنامج يتزايد خصوصًا بين أبناء الجاليات العربية والآسيوية، واصفًا ذلك بأنه “فرصة لتعزيز الاندماج الاجتماعي.”
ورغم الدعم الشعبي المتزايد، لا يخلو البرنامج من التحديات السياسية. فبعض النواب يدعون إلى تشديد الرقابة على الكفالة العائلية بحجة الحفاظ على استقرار الخدمات العامة. لكن تقريرًا أصدره المركز الكندي للسياسات البديلة أشار إلى أن 86% من المكفولين لا يشكلون عبئًا ماليًا، بل يسهمون في دعم الاقتصاد المحلي من خلال رعاية الأطفال والمشاركة المجتمعية.
ويأتي هذا البرنامج ضمن خطة إصلاح شاملة يقودها رئيس الوزراء مارك كارني، الذي انتُخب زعيمًا للحزب الليبرالي في مارس 2025 بنسبة تأييد بلغت 86%، ثم شكّل حكومة أقلية في انتخابات أبريل، وفقًا لصحيفة “فاينانشال تايمز”. وتُعتبر إعادة فتح هذا البرنامج أول اختبار سياسي جاد لحكومته في ملف الهجرة.
ويبقى برنامج كفالة الوالدين والأجداد محطة فارقة في مسار السياسة الكندية، يجمع بين الاعتبارات الإنسانية والاقتصادية، ويضع الحكومة أمام تحدٍّ حقيقي في تلبية طموحات آلاف العائلات. وبين طموح الوعود وتعقيدات التنفيذ، تترقب الأسر إن كان هذا التحول سيؤدي فعلًا إلى واقع أكثر عدلًا وإنصافًا، أم أنه سيتحول إلى فصل جديد من الانتظار.




