ترامب و”مُقامرة السّلام” بين روسيا وأوكرانيا.. لصالح “الصّديق بوتين” أم “للحليف أوكرانيا”؟
أكثر من مليون قتيل وجريح جرّاء الحرب، ووسائل إعلام تركيّة تكشف بأن مفاوضات تسوية الحرب في أوكرانيا قد تنطلق بين شهري أبريل أو مايو المقبلين
بين لهجة التهديد والوعيد ولغة الضغط وبعض عبارات الغزل، يسعى الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب لـ”طبخ صفقة سلام” على نار الحرب الأوكرانية الروسية التي لم تهدأ منذ 3 سنوات.
وبثقة كبيرة في النفس، اعتبر ترامب بأن هذه الحرب لم تكن لتندلع لو كان رئيساً لأمريكا، وبثقة لا تقل عنها أبدى قدرته على إيقاف هذه الحرب واضعاً “صديقه بوتين” بين خياري السلام أو العقوبات التي لا يعلم (ترامب) إن كانت ستؤتي أكلها في جر روسيا نحو طاولة المفاوضات، رغم تأكيد موسكو وكييف على رغبتهما في التوصل إلى اتفاق سلام وإنهاء حرب خلفت آلاف القتلى وخسائر بملايير الدولارات، وامتدت تبعاتها إلى آسيا وأوروبا وحتى أفريقيا.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه العالم ما تحمله جعبة ترامب من وصفة سحرية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، يطرح مراقبون تساؤلات عن مدى قدرة الرئيس الأمريكي على تحقيق السلام بين روسيا وأوكرانيا، وأي أوراق يمتلكها للوصول إلى هذا الهدف، ومن مِن الطرفين سيحظى بـ”الجزء الأكبر من كعكة نصر السلام”.. “الصديق بوتين” أم “الحليف أوكرانيا”، في حرب طاحنة يقال إن “روسيا لم تنتصر فيها” وأن “أوكرانيا لم تُهزم فيها”.

خسائر كبيرة
الأحد الماضي، كشف الجيش الأوكراني ارتفاع عدد قتلى جنود الجيش الروسي إلى 828 ألفاً و470 جندياً منذ بدء الحرب في 21 فبراير 2022.
كما قدمت هيئة الأركان الأوكرانية ما قالت إنها خسائر للجيش الروسي من حيث العتاد، وذكرت بأن موسكو فقدت: 9 آلاف و859 دبابة، 20 ألفاً و545 مركبة مدرعة، 22 ألفاً و309 من الأنظمة المدفعية، 1263 أنظمة راجمات الصواريخ متعددة الإطلاق، 1050 أنظمة الدفاع الجوي، 3053 صواريخ كروز، 369 طائرة مقاتلة، 331 مروحية، 28 سفينة حربية، 3 آلاف و715 من المعدات الخاصة، 35 ألفاً و71 من المركبات وخزانات الوقود، 23 ألفاً و213 طائرة بدون طيار، وغواصة واحدة.

ومطلع يناير الماضي، قدرت وزارة الدفاع الأمريكية حجم الإنفاق الروسي على حربها في أوكرانيا نحو 200 مليار دولار منذ بدء الحرب، فيما لم تؤكد أو تنفي السلطات الروسية هذه المعلومات.
في مقابل تمكن الجيش الروسي من تحقيق مكاسب ميدانية عبر توغله بنحو 2700 كيلومتر مربع داخل الأراضي الأوكرانية، بحسب تقديرات قدمها “معهد دراسات الحرب”، يناير الماضي.
أما على الجبهة الأخرى، ووفق حصيلة قدمتها وزارة الدفاع الروسية في 25 يناير الماضي، نقلتها قناة “روسيا اليوم”، فقد وصل حجم خسائر من سمتها “جيش زيلنسكي” منذ بدء القتال على محور كورسك أكثر من 54 ألف و820 جندياً، و319 دبابة، 237 مركبة مشاة قتالية، 183 ناقلة جند مدرعة، 1622 مركبة قتالية مدرعة وغيرها من الأسلحة والمعدات العسكرية.
ووصل عدد القتلى والجرحى من الجانبين منذ بدء الحرب أكثر من مليون شخص استنادا إلى تقديرات قدمتها صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، شهر سبتمبر الماضي، وسط رفض روسيا وأوكرانيا تقديم تقديرات رسمية عن حجم خسائر كل طرف.
ونهاية نوفمبر الماضي، قدّر تقرير لهيئة الأمم المتحدة عدد القتلى المدنيين من الجانب الأوكراني منذ بدء الغزو الروسي أكثر من 11 ألفاً و700، وإصابة 24 ألفاً و600 آخرين.
وفي ديسمبر 2023، قدّر البنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة والحكومة الأوكرانية حجم الأضرار المباشرة التي تعرضت لها أوكرانيا جراء الحرب بنحو 152 مليار دولار، فيما يتطلب إعمار أوكرانيا نحو 486 مليار دولار بحسب تقدير صادر عن البنك الدولي والحكومة الأوكرانية، نهاية ديسمبر الماضي.
صفقة سلام مرتقبة
وفي خضم استمرار مقامرة الحرب بين البلدين، تتزايد التوقعات بشأن اقتراب طرفي الحرب من التفاوض خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
والاثنين الماضي، نقلت صحيفة “حريت” التركية عن مصادر رسمية محلية لم تسمها، بأن مفاوضات تسوية الحرب في أوكرانيا قد تنطلق بين شهري أبريل أو مايو المقبلين، وقد تسبقهما قمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وبحسب الصحيفة ذاتها، فإن الخطوة الأولى للمفاوضات ستكون “إعلان وقف إطلاق النار” تليها “بدء محادثات السلام”، مشيرة في السياق إلى أن “تركيا قد تتولى دور الوسيط بين الجانبين”.
واعتبرت الصحيفة التركية بأن المفاوضات السابقة بين أوكرانيا وروسيا التي جرت في تركيا عام 2022 لم تصل إلى أية نتائج تذكر “بسبب رغبة الولايات المتحدة وبريطانيا في استمرار الحرب”.
والأحد الماضي، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “صفقة محتملة” قد يتم التوصل إليها مع الرئيس الروسي لوقف الحرب في أوكرانيا خلال قمة مرتقبة بينهما لم يتم تحديد موعدها بعد.
وبحسب “المجموعة الصحفية” التابعة للبيت الأبيض، فقد نقلت تصريحاً عن ترامب مفاده “تلقيه مؤشرات تفيد باستعداد بوتين عقد لقاء شخصي مع الرئيس الأمريكي الجديد لإبرام صفقة تؤدي إلى إنهاء النزاع الدائر مع أوكرانيا”، دون الكشف عن تفاصيل هذه الصفقة المرتقبة.
وقال الرئيس الأمريكي – وفق المصدر الإعلامي ذاته – “أعتقد أن روسيا ترغب في التوصل إلى اتفاق، ويبدو أن بوتين مستعد لذلك أيضًا، وفقًا لما سمعته، فهو يرغب في لقائي، وسنعقد الاجتماع في أقرب وقت ممكن، أنا مستعد لذلك على الفور”.
غير أن التصريحات العلنية التي أدلى بها الرئيس الأمريكي وتناقلتها مختلف وسائل الإعلام الأمريكية، أظهرت بحسب المراقبين انتهاج ترامب “سياسة العقاب واليد الممدودة” لروسيا.
وقال ترامب للصحفيين بحسب قناة “سي إن إن” الأمريكية: “أقدم لبوتين وروسيا التي تنهار اقتصادياً خدمة كبيرة بالدعوة إلى وقف الحرب السخيفة وإبرام صفقة”، وهدد في المقابل موسكو بفرض عقوبات عليها.
وأضاف في هذه الشأن: “إذا لم تبرم روسيا صفقة مع أوكرانيا قريباً فسوف نفرض مستويات عالية من الضرائب والجمارك على أي شيء تبيعه روسيا للولايات المتحدة”.
إلا أن ترامب بدا غير متأكد من قدرة العقوبات على إجبار روسيا للتوصل إلى حل ينهي الحرب في أوكرانيا، وشدد على أن “بوتين عليه التوقيع على هذه الاتفاقية وإلا سنفرض عقوبات أشد”.
وجاء الرد الروسي سريعاً على تصريحات وعرض ترامب، فقد نقلت قناة “روسيا اليوم”، الأسبوع الماضي، تصريحات عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد فيها بأن بلاده “لم ترفض أبدا التواصل مع الإدارة الأمريكية”، ونوه بـ”العلاقات العملية التي تقوم على أساس المصالح مع ترامب” وبأن روسيا “منفتحة على العمل معه”.
كما أبدى الرئيس الروسي استعداده لبدء محادثات بشأن أوكرانيا، وشاطر نظيره الأمريكي موقفه عندما قال: “اتفق مع ترامب على أنه كان من الممكن تفادي حرب أوكرانيا لو لم يُحرم ترامب من فوزه في الانتخابات”.
ومن الجانب الأوكراني، نقل الإعلام المحلي تصريحات للرئيس فولوديمير زيلينسكي، الأسبوع الماضي، حدد فيها شروطه لإجراء مفاوضات مع نظيره الروسي.
وقال زيلينسكي: “من الممكن إجراء المفاوضات مع بوتين إذا قدم ترامب ضماناً أمنياً لأوكرانيا”، وطالب أيضا بأن تكون “أية قوة حفظ سلام “فعالة تحتاج إلى مشاركة القوات الأمريكية في أوكرانيا”، واعتبر في المقابل بأن الحلفاء الأوروبيين “لا يملكون ما يكفي من القوات ليكونوا عامل ردع حقيقي لروسيا”.
“تجميد خطوط المعركة”
الكاتب السوداني حسن اسماعيل المختص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، كتب منشورا عبر صفحته على “فايسبوك”، نهاية نوفمبر الماضي، لخص فيه مكامن قوة حظوظ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التوصل إلى صفقة سلام لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
واعتبر الكاتب بأن ترامب انتهج طريقة مختلفة عن إدارة الأوروبيين لملف الحرب الروسية الأوكرانية، ووصف تعيين ترامب الجنرال “كيث كيلوغ” كموفد شخصي إلى البلدين بأنه “لكمة قبل الدخول إلى الحلبة”، وبأنها “صفعة للأوروبيين”.

وقال الكاتب في منشوره: ” أما القرار فهو تعيينه للجنرال السابق كيث كيلوغ كموفد شخصي له لكل من أوكرانيا وروسيا موجهاً بذلك صفعة مدوية للمنهج والطريقة التي كانت تدير بها أوروبا موقفها تجاه الحرب الروسية الأوكرانية”.
واعتبر حسن اسماعيل بأن ترامب “جاد في إطفاء الحرب عبر المفاوضات المباشرة”، وبأن “الرجل بهذا سيُفسد على الأوربيين مشروع إسقاط روسيا أو حصارها وهو أيضا بهذا سيرفع عن روسيا أثقال كلفة الحرب التي هي في حقيقتها ضد واحد من أقوى الأحلاف العسكرية وهو حلف الناتو والذي جاهد لكي يفرض حظرا جوياً على الطيران الروسي”.
وأشار الكاتب السوداني إلى أن خطة الرئيس الأمريكي تعتمد أيضا على “تجميد خطوط المعركة”، معتبرا بأن ذلك سيضمن لترامب في المقابل “وفورات الأموال الضخمة التي كان يسعى بايدن لدفعها إلى أوكرانيا”.
“خفايا أسباب الصفقة”
وفي اتصال مع “هنا كندا”، قدّم العميد المصري المتقاعد عادل العمدة ما يمكن وصفه بـ “خفايا أسباب الصفقة”، إذ اعتبر بأن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى لـ”منع وصول الحرب إلى صدام أكبر”.
وفي اعتقاد العميد المصري المتقاعد فإن “أوراق ترامب تعتمد على عنصر مؤثر وفعال من العناصر التي تتسم بالتفاوض وهو أحد الأدوات التي أرسلها بالفعل بعد تعهد بايدن لزيلنسكي بتزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى، فما كان من روسيا إلا أن ردت باستخدام صواريخ الفرط صوتي، وهذا النوع من الصواريخ له تأثير مدمر، وتتراوح حمولتها بين 50 طن وحتى 120 طن، وسرعتها تصل إلى 25 ماخ”.
“عنصر التفاوض الرئيسي للحيلولة دون حدوث صدام أكبر، وتعهد ترامب بأنه سينهي هذه الحرب نابع من علاقات الصداقة الوطيدة التي تربطه ببوتين، وكذلك على المستوى الدولي فإن الإدارة الأمريكية تعتبر أوكرانيا حليفاً لها”.
ميزان الثقة والتشكيك
العميد عادل العمدة ذكر أيضا لـ”هنا كندا” بعض ما قد يكون محددات الثقة أو التشكيك غير المعلن في قدرة ترامب على إنهاء الحرب.
وأشار إلى أن “قناعة الرئيس الأوكراني في قدرة ترامب على وقف الحرب لم تأت من فراغ، وهو يدرك بأن لترامب أساليبه وأدواته المختلفة لتحقيق هذا الأمر، وزلينسكي على يقين تام بأن ترامب يمتلك من الأدوات لوقف الحرب انطلاقاً من قناعته بوفاء ترامب بتعهداته في حملاته الانتخابية خاصة في فترته الرئاسية الأولى”.
وعن الجانب الروسي قال: “على مدار التاريخ، وعلى مدار فترتي حكم ترامب ثم بايدن، فإن العلاقات الروسية الأمريكية كانت في أحسن حالاتها في فترة ترامب الأولى وأعتقد أنه يعول على ذلك كثيرا، أما بايدن فقد اتهم روسيا بتزوير الانتخابات الأمريكية والمساس بشكل النظام الأمريكي، لذلك فإن ثقة روسيا في ترامب أكثر بكثير من التشكيك الذي كان في إدارة بايدن”.
“ما بعد الصفقة”
“هنا كندا” حاولت استشراف الوضع الدولي بعد إتمام صفقة إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية مع العميد المصري المتقاعد.
“السياسة مصالح ولكل حديث حدث، ونجاح ترامب في إنهاء الحرب يكون وفق مصلحة بلاده وما يتوافق مع ذلك، ويحقق لها الاستمرار والاستقرار وتحقيق الهدف الرئيسي لها بأن تكون القطب الرئيسي الوحيد في العالم، وتتحكم في مصادر الطاقة، وتحافظ على أمن إسرائيل، وتحقق مصالحها في المنطقة العربية بامتلاكها طرق التجارة العالمية، وهذا ما سيكون عليه حال العلاقات الدولية”.
لكنه لفت في المقابل إلى أنه “لا يجب أن نغفل أبدا بأن العالم يتجه إلى التعددية القطبية في هذه الظروف، التي تتمثل في كتلة شرقية وكتلة غربية، الأولى تحالف بين روسيا والصين وبعض الدول الأخرى، والكتلة الثانية تتألف من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة”.




