العـالم

السّـودانُ بين الرّصاصِ والجُوع وأطماعِ القوى الكبرى

حربٌ ومجاعةٌ تجتاح السودان والفاشر تحت الحصار: 25 مليون شخصٍ يواجهون انعدام الأمن الغذائي، وأكثر من 14 مليون مشرد داخليًا وخارجيًا، والأطفال هم الضحايا الأكثر تضررًا في واحدةٍ من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم

في قلب إفريقيا، بين صحراء دارفور ووديانها الجافة، يكشف السودان اليوم عن واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. منذ أبريل 2023، تحولت البلاد إلى مسرح حرب شاملة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حميدتي”، ما أدى إلى سقوط عشرات آلاف القتلى وتهجير أكثر من 12 مليون شخص، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

في ظل هذه الفوضى، أصبحت المجاعة كارثة يومية تهدد حياة ملايين السودانيين، خصوصًا الأطفال، الذين يعانون من سوء تغذية حاد يهدد حياتهم. اليونيسف تؤكد أن نحو 6,000 طفل في مدينة الفاشر وحدها يواجهون خطر الموت دون علاج.

الفاشر: مركز المعاناة اليومية للأطفال والمدنيين

مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، تحولت إلى بؤرة مأساوية لمعاناة المدنيين، وسط حصار دام أكثر من 16 شهرًا. يعيش داخل المدينة حوالي 260,000 شخص، نصفهم من الأطفال، في ظروف حرمان مطلق من الغذاء والمياه والأدوية.

الهجمات المتكررة من ميليشيا الدعم السريع شملت قصف الأسواق والمناطق السكنية، ما أسفر عن مقتل 24 مدنيًا وإصابة 55 آخرين، بينهم 5 نساء، وفق شبكة الأطباء السودانيين. تأتي هذه الاعتداءات ضمن سلسلة هجمات قتل خلالها 89 مدنيًا خلال عشرة أيام، شملت 16 حالة إعدام ميداني. نادية موسى، المتحدثة باسم مفوضية حقوق الإنسان، قالت إن المدنيين أصبحوا أهدافًا يومية بينما المجتمع الدولي عاجز عن توفير حماية حقيقية.

الميليشيا بقيادة الجنرال دقلو أطلقت هجومها العسكري دون توقف، وأعلنت عن تشكيل حكومة موازية، ما عمّق الأزمة السياسية وزاد معاناة المدنيين. وقال دقلو في تصريحات نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال: “إن العمليات العسكرية تهدف إلى السيطرة على المناطق الحيوية، لكن المدنيين للأسف هم الضحية الأولى.”

بين الرصاص والجوع، تعيش نساء السودان وأطفاله وعائلاته يومياً على حافة الموت، بينما يكتفي العالم ببيانات القلق دون حماية حقيقية – الصورة لـ رويترز عبر السي آن آن

المجاعة والصحة والتعليم: كارثة متعددة الأبعاد

تشهد السودان واحدة من أخطر موجات المجاعة في العالم، إذ يعاني نحو 25 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد. بعض العائلات اضطرت لأكل الأعشاب والمواد غير الصالحة للطعام للبقاء على قيد الحياة، فيما الأطفال يعانون من نقص حاد في التغذية والعلاج.

الحصار والهجمات المستمرة أدت إلى توقف خدمات المستشفيات والمراكز الصحية المتنقلة. أكثر من 35 مستشفى و7 مدارس تعرضت للقصف، بما في ذلك مستشفى الفاشر التعليمي للنساء الذي ضرب عشر مرات على الأقل، ما أدى لمقتل وإصابة العديد من المدنيين. كما تفشت الأمراض، خصوصًا الكوليرا، مع تسجيل أكثر من 7,100 حالة في دارفور وأكثر من 3,000 في ولاية النيل الأزرق، وفق منظمة أطباء بلا حدود.

لاجئون سودانيون في تشاد بعد أن أجبرتهم أكثر من سنة من الحرب على النزوح، في واحدة من أكبر موجات النزوح القسري التي شهدها السودان، حيث تجاوز عدد المشردين 10 ملايين شخص -الصورة لـ يكيميديا كومونز عبر بيوبيل صباتش

النزوح والانتهاكات الدولية: مأساة تتجاوز الحدود

أكثر من 14 مليون شخص نزحوا داخليًا أو عبروا الحدود إلى دول الجوار مثل تشاد، جنوب السودان، ومصر، مع تعرض العديد من العائلات للفرار المتكرر خوفًا من القصف والاعتداءات.

الجيش السوداني والميليشيات يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات حقوق الإنسان، تشمل القتل الجماعي، التطهير العرقي، والاعتداءات الجنسية ضد المدنيين، وهو ما دفع المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيقات شاملة.

رغم التحذيرات المتكررة، لم تتخذ الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إجراءات فعالة لإنقاذ المدنيين العالقين في الفاشر والمناطق الأخرى. إلى جانب الإهمال الدولي، تظهر أطماع بعض الدول الإقليمية والدولية في السودان، حيث تسعى للاستفادة من الموارد الطبيعية الغنية، مثل النفط والذهب والمعادن النادرة، واستغلال الصراع لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة. الدول الإفريقية والغربية، بما فيها جنوب إفريقيا، أعربت عن قلقها من استمرار الصراع، داعية إلى وقف فوري للأعمال العدائية واستئناف محادثات السلام.

السودان اليوم يواجه أزمة مزدوجة: حرب مفتوحة وجوع قاتل يهدد حياة الملايين، والأطفال هم الضحايا الأكثر تضررًا. المجتمع الدولي لم يقدم سوى بيانات قلق وتحذيرات شكلية، دون أي تدخل فعلي لحماية المدنيين أو إنهاء الحصار، مما يعكس تقاعسًا شبه ممنهج يتيح استمرار القتل والجوع وانتشار الأمراض.

إذا استمر الصمت والتحركات الشكلية، فإن الأزمة ستتحول إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، مع سقوط مزيد من الضحايا دون محاسبة. السودان اليوم اختبار صارخ لقدرة المجتمع الدولي على حماية الأبرياء من العنف والجوع، ويكشف هشاشة المؤسسات العالمية أمام الجرائم ضد الإنسانية والاستغلال السياسي للصراعات الداخلية.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل