بعد الصّين: كارني يُعزّز تحالفات كندا الاستراتيجيّة مع قطر
بعد زيارته للصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وصل رئيس وزراء كندا مارك كارني إلى الدوحة في أول زيارة رسمية لرئيس وزراء كندي إلى قطر. تأتي هذه الزيارة ضمن استراتيجية أوتاوا الطموحة لتنويع شراكاتها الدولية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وتعزيز موقعها ضمن شبكة التحالفات الاقتصادية والسياسية العالمية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار في منطقة الخليج الحيوية.
وقال كارني في تصريح رسمي نقلته “ذا كنديان برس”: “تهدف الزيارة إلى تنويع الشراكات الاقتصادية وجذب الاستثمارات لدعم النمو في كندا وتقليل الاعتماد على سوق واحد، في ظل حالة من عدم اليقين الاقتصادي العالمي”. وأضاف: “العلاقات مع قطر توفر فرصة لتعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والأمن والتكنولوجيا، مع خلق وظائف جديدة في قطاعات المستقبل”.
يتضح من تصريح كارني أن الهدف يتجاوز مجرد الاستثمار، ليشمل بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد تعزز مكانة كندا دوليًا.
تعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية
انطلقت الاجتماعات الرسمية بالتركيز على الفرص الاستثمارية الكبرى، حيث أعلنت قطر التزامها بضخ رؤوس أموال في مشاريع تشمل الطاقة النظيفة، الصحة، الذكاء الاصطناعي، والدفاع، مع خلق آلاف الوظائف، وتوقيع بيان مشترك لتسريع الاستثمارات المتبادلة في مجالات الحوسبة الكمومية، الطيران، التكنولوجيا الدفاعية، الصناعة المتقدمة، والزراعة والأغذية.
وقال مانيندر سيدهو، وزير التجارة الدولية الكندي: “الزيارة تهدف إلى تعميق العلاقات التجارية وتشجيع المستثمرين القطريين على الاستثمار في مشاريع كندية، مع التركيز على التصنيع المتقدم والطيران والذكاء الاصطناعي”.
وأوضح أريف لالاني، السفير الكندي السابق لدى الأردن والعراق وأفغانستان، أن هذه الشراكة تمنح كندا قدرة تفاوضية أكبر مع الولايات المتحدة في المجالات الاقتصادية والأمنية، وتندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة توزيع النفوذ الدولي.

الاستثمارات القطرية وتأثيرها على الاقتصاد الكندي
من المكاتب التنفيذية إلى لقاءات رجال الأعمال، بدا واضحًا أن الاتفاقيات الاستثمارية المزمع توقيعها ستمنح الشركات الكندية حماية أكبر وتسهيلات لدخول السوق القطرية، ما يدعم تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية في وقت تسعى فيه كندا لتعزيز النمو الوطني.
بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 325 مليون دولار في 2024، مع تركيز نصف الصادرات الكندية في كيبيك على الطيران والتصنيع المتقدم. الاتفاقيات الجديدة، بما في ذلك اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي (FIPA)، تمنح المستثمرين القطريين ثقة أكبر في استثماراتهم، بعد أن شهدت الاستثمارات القطرية في كندا نموًا سنويًا بنسبة 20%. هذه الأرقام تؤكد أن التحالف الاقتصادي أصبح أداة ملموسة لإعادة هيكلة الاقتصاد الكندي وزيادة قدرته التنافسية عالميًا.
شراكة متعددة الأبعاد وتوسيع النفوذ
لم تقتصر زيارة كارني على الجوانب الاقتصادية، بل شملت أبعادًا دبلوماسية واستراتيجية متعددة. تم الاتفاق على تأسيس لجنة مشتركة كندا–قطر للتعاون الاقتصادي والتجاري والتقني، وتوسيع الاستثمار في مجالات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، وإطلاق مفاوضات إطار التعاون الأمني والدفاعي، بالإضافة إلى بدء مفاوضات اتفاقية ضريبة مزدوجة لتسهيل حركة الاستثمار والعمل بين البلدين.
وأكد توماس جونيو، أستاذ السياسة الدولية وخبير شؤون الخليج، أن المنطقة أصبحت محورًا أساسيًا للدبلوماسية والاقتصاد في الشرق الأوسط، وأن توسيع العلاقات مع قطر يمنح كندا موقعًا قويًا في التفاعلات الاقتصادية الإقليمية، رغم الانتقادات الموجهة لأنظمة الحكم هناك. فيما شدد الأمير القطري على أن الدوحة تعتبر كندا شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، ما يعكس توافقًا واضحًا في الأهداف الاقتصادية والسياسية للطرفين، ورغبة مشتركة في تعزيز موقعهما على الساحة الدولية.

كندا في عصر التحالفات متعددة الأقطاب
من قلب الدوحة، تبدو زيارة كارني تحوّلًا نوعيًا في السياسة الخارجية الكندية. فهي لم تقتصر على الاستثمار والتجارة، بل شملت السياسات الدفاعية والدبلوماسية والثقافية، مع خطط واضحة لتنويع الشراكات الدولية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، وخلق شبكة تحالفات عالمية متوازنة.
هذه الخطوة تجعل أوتاوا أكثر قدرة على التفاوض ومواجهة التحديات الدولية، مع تعزيز حضورها العالمي في مجالات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والدفاع، وتؤكد أن كندا تسعى لتحقيق استقرار اقتصادي وسياسي طويل الأمد وموقع تفاوضي أقوى في عالم متعدد الأقطاب.




