تحالفُ الجنرالات والهيمنةُ الروسيّة: إعادةُ رسمِ خارطةِ السّلطة في السّاحل الإفريقيّ
على مدى العقد الأخير، تحولت منطقة الساحل الإفريقي من ساحة نفوذ فرنسي شبه مطلق إلى مسرح صراع جيوسياسي مفتوح تتقاطع فيه مصالح قوى كبرى، أبرزها روسيا التي وجدت في الأزمات السياسية والأمنية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر فرصة ذهبية لتعزيز حضورها وإعادة رسم موازين القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة. منذ عام 2020، تسارعت سلسلة الانقلابات العسكرية التي أطاحت بأنظمة مدنية متعاقبة، تحت مبررات محاربة الإرهاب وفشل الحكومات في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، لكنها في الوقت ذاته فتحت الباب أمام صعود تحالف جديد بين مسؤولين عسكريين محليين وموسكو، تحالف يقوم على تبادل المصالح: يبدأ بدعم عسكري واقتصادي روسي وينتهي بنفوذ سياسي واستراتيجي طويل الأمد، كما أظهرته الاتفاقات المبرمة حديثًا بين الأطراف الفاعلة في منطقة الساحل.
انقلابات على وقع البنادق الروسية
بدأت الموجة في أغسطس 2020 في مالي عندما أطاح المجلس العسكري بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، تبعتها مرحلة انتقالية لم تدم طويلاً قبل انقلاب ثانٍ في مايو 2021 أطاح بالرئيس الانتقالي باه نداو. أعادت هذه التحولات الجيش إلى قلب السلطة، ووجدت موسكو طريقها سريعًا إلى باماكو عبر إمدادات عسكرية وصفقات تدريب، بالتوازي مع انسحاب تدريجي للقوات الفرنسية المشاركة في عملية برخان.
لم يكن الأمر معزولًا، ففي يناير 2022 شهدت بوركينا فاسو انقلابًا أطاح بالرئيس روك مارك كريستيان كابوري، تلاه إطاحة أخرى في سبتمبر من العام نفسه بالزعيم العسكري بول هنري داميبا لصالح الكابتن إبراهيم تراوري. وفي يوليو 2023، أطاح ضباط من الحرس الرئاسي في النيجر بالرئيس محمد بازوم، ليكتمل المشهد بثلاث دول متجاورة في الساحل تخضع لأنظمة عسكرية متحالفة سياسيًا وأمنيًا.
في خضم هذا التغيير، صعدت روسيا كفاعل مركزي، مستخدمة أدوات متعددة تبدأ بالتعاون العسكري ولا تنتهي بالاستثمار في الموارد الطبيعية. أشارت تقارير صادرة عن مراكز بحث غربية وأوروبية مثل “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” في واشنطن و”المعهد الأوروبي للأمن والدراسات الاستراتيجية” في باريس، إلى أن موسكو قدمت بين عامي 2022 و2024 دعمًا عسكريًا يتجاوز الـ 300 مليون دولار، شمل طائرات مسيرة هجومية، وعربات مدرعة خفيفة، وأنظمة دفاع جوي متوسطة المدى. كما نشرت موسكو ما لا يقل عن 100 عنصر من “فيلق إفريقيا” في النيجر منذ أكتوبر 2023، إضافة إلى وجود نشط لعناصر ينتمون لنفس الفيلق في مالي وبوركينا فاسو لتدريب القوات وتأمين المنشآت الحيوية وإدارة بعض العمليات الاستخباراتية.

ثروات الساحل بين فوهات البنادق وأطماع الخارج
الأبعاد الاقتصادية للتحالف لا تقل أهمية، إذ دخلت شركات روسية، بعضها مرتبط مباشرة بالدولة الروسية، إلى قطاعات التعدين والبنية التحتية. في مالي، حصلت شركات مثل “روسغولد” على امتيازات للتنقيب عن الذهب بأسعار تفضيلية، بينما وسعت شركات أخرى نشاطها في استخراج اليورانيوم من النيجر، وهو مورد استراتيجي يهم روسيا في ظل التوترات مع الغرب.
وفي سبتمبر 2024، وقعت اتفاقيات مع حكومات الساحل لتطوير شبكات الاتصالات وأنظمة المراقبة الحدودية، وهي مشاريع تحمل أبعادًا أمنية واضحة إلى جانب أهدافها الاقتصادية المعلنة.
لكن هذا التحالف لم يمر دون آثار سياسية داخلية. في مالي، أصدر المجلس العسكري في أبريل 2024 قرارًا مفاجئًا بحل جميع الأحزاب السياسية، في خطوة وُصفت بأنها “تصحير للحياة السياسية” وإغلاق كامل للمجال أمام المعارضة. برر المجلس القرار بضرورة “توحيد الصف الوطني في مواجهة التهديدات”، لكن تقارير حقوقية من منظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” اعتبرت الإجراء جزءًا من سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات المستقلة وترسيخ الحكم العسكري.

الوضع في النيجر وبوركينا فاسو ليس بعيدًا، فبينما لم يُحل المجال الحزبي بالكامل، تصاعدت القيود على الأنشطة السياسية والإعلامية، مع فرض قوانين طوارئ وتشديد الرقابة على المجتمع المدني.
على الصعيد الأمني، فشلت هذه التحالفات العسكرية الجديدة في القضاء على الجماعات المسلحة، بل شهدت بعض المناطق تصاعدًا في نشاطها. من بين هذه الجماعات ما يسمى بـ”حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا”، التي لم تعد تنشط تحت اسمها الأصلي، بل اندمجت ضمن مظلة ما يُعرف بـ”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” التي تأسست عام 2017، والتي تضم فصائل مرتبطة بتنظيمي ما يسمى بالقاعدة وداعش، وتنتشر في مناطق متعددة من مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
تعكس هذه التحولات في الهيكل التنظيمي تكتيكًا يتيح لهذه الجماعات توسيع نطاق تحركاتها تحت غطاء جديد، إلى جانب صراع طويل الأمد بين حكومة مالي وحركات أزواد المسلحة التي تطالب بالانفصال، والتي تخوض منذ أكثر من عام حربًا مع حكومة باماكو ومرتزقة فاغنر، عقب تعليق اتفاقية الجزائر للسلام والمصالحة الموقعة في 1 مارس 2015، والتي كان المجلس العسكري بقيادة العقيد آسيمي غويتا قد أوقف تنفيذها في يناير 2024، علمًا بأن الجزائر كانت الضامن الوحيد لتطبيقها بين الفرقاء في دولة مالي.
وفي ظل هذا الصراع، يثير تنامي هذه الجماعات المسلحة في الساحل الشكوك أكثر منه الاستغراب، وهو ما يؤثر على أمن المنطقة ويزيد من توترها أمنيًا وعسكريًا. أشارت تقارير استخباراتية صادرة عن جهات غربية إلى وجود شبهات – دون أدلة قاطعة أو اتهامات مباشرة – تفيد بأن بعض هذه الجماعات المسلحة قد تستفيد من دعم أو تسهيلات من جهات أمنية محلية أو إقليمية، في إطار ترتيبات معقدة لا تخلو من المصالح المشتركة. هذه الظاهرة، التي توصف أحيانًا بـ”التوظيف الأمني” أو “الاختراق الاستخباراتي”، تسهم في تعقيد المشهد الأمني، حيث يتم استغلال وجود الجماعات المسلحة لأهداف سياسية أو اقتصادية من قبل أطراف داخلية وخارجية.

بين مطرقة الجماعات المسلحة وسندان الأزمات الإنسانية
الأزمة الإنسانية المرتبطة بهذه الحالة الأمنية والسياسية تتزايد سوءًا، إذ تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن أكثر من 3.7 مليون نازح داخلي يعانون نقصًا حادًا في الخدمات الأساسية حتى منتصف 2025.
تتكرر موجات العنف المسلح والهجمات على المدنيين في مناطق مثل ميناكا وتمبكتو وغاو في مالي، وأرلي وسوم في بوركينا فاسو، وتيلابيري في النيجر، ما يزيد من هشاشة الوضع ويحد من فرص الاستقرار.
على الصعيد الدولي، بات تحالف الجنرالات مع روسيا محور صراع جيوسياسي بين موسكو والغرب. حاولت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تقديم الدعم للقوات الوطنية، لكنهما واجها تحديات كبيرة تتمثل في مآخذ سياسية على أنظمة عسكرية متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان، ما دفع بعض العواصم الغربية إلى إعادة تقييم تدخلها وتقليص وجودها العسكري.
في المقابل، تستثمر موسكو مواردها السياسية والعسكرية والاقتصادية لترسيخ نفوذها، مستغلة التراجع الغربي لتصبح لاعبًا مركزيًا في رسم مستقبل الساحل.
ينبه مراقبون أمنيون إلى أن التوسع الروسي في الساحل يطرح مخاطر تفكيك النسيج الاجتماعي وتعميق الصراعات، إضافة إلى عرقلة التحول الديمقراطي، وهو ما قد يعيد إنتاج نموذج استعماري جديد بوسائل حديثة. وأكدت تصريحات نقلتها وكالة “رويترز” في أبريل 2025 أن هذا الواقع الجديد لا يهدد فقط الاستقرار الإقليمي، بل يفرض تحديات استراتيجية على الأمن الدولي.
في الوقت الذي يزداد فيه الصراع في الساحل، تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المجتمع الدولي والإقليمي على توحيد الجهود لإعادة تفعيل المسارات الديمقراطية، وضمان الشفافية في استغلال الموارد، وحماية حقوق الإنسان في ظل واقع ساحلي هش ومعقد. الجواب ليس سهلاً في ظل استمرار وجود تحالفات عسكرية واقتصادية تمتد عبر مصالح عميقة ومتداخلة.
يعيش سكان الساحل بين تحديات جسيمة، بين أنظمة عسكرية تضيق على الحريات باسم الأمن، وجماعات مسلحة تستغل الفوضى، وقوى خارجية تتعامل مع المنطقة كمساحة نفوذ جيوسياسي واقتصادي. وهذا الواقع يشير إلى أن مستقبل الساحل سيظل محفوفًا بالمخاطر ما لم تحدث تغييرات جذرية في سياسات الحكومات المحلية والمجتمع الدولي الذي هو في حد ذاته بحاجة، كما يرى خبراء، إلى تغيير وإصلاح جذري عبر مؤسساته الفاعلة.





