كنـدا الآن

كـارني يقودُ كندا لإعادة ضبط العلاقات مع الصّين وسط خلافاتٍ تجاريّة مع الولايات المتّحدة

يتوجه رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى بكين، الثلاثاء، في زيارة رسمية تمتد حتى السبت، في محاولة لإعادة ضبط العلاقات الكندية – الصينية، التي شهدت توترات شديدة خلال السنوات الماضية. وتعد هذه الزيارة الأولى لرئيس وزراء كندي إلى الصين منذ زيارة جاستن ترودو في ديسمبر 2017، وتأتي بعد سلسلة أزمات، أبرزها احتجاز المدير المالي لشركة هواوي عام 2018، وما تبع ذلك من احتجاز الدبلوماسيين الكنديين، مايكل كوفريغ ومايكل سبافور، بتهم تجسس، والتي استمرت ثلاث سنوات قبل إطلاق سراحهما.

كما فرضت كندا رسومًا جمركية على السيارات الكهربائية الصينية بنسبة 100%، وردت بكين برسوم على الكانولا ومنتجات اللحوم والأسماك تتراوح بين 25 و100%. إلى جانب ذلك، أثارت اتهامات بالتدخل الصيني في الانتخابات الكندية تحديات إضافية أمام استقرار العلاقات الثنائية، مما يجعل أي محاولة لإعادة العلاقات إلى “المسار الصحيح” عملية معقدة للغاية.

إعادة ضبط العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية

تهدف زيارة كارني إلى رفع مستوى الانخراط في مجالات التجارة، الطاقة، الزراعة، والأمن الدولي. وفي تصريحات له، شدد على أهمية تنويع الاقتصاد الكندي وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، مؤكدًا: “نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على شريك واحد وأكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات العالمية… نخلق شراكات جديدة في مجالات الطاقة والتجارة، ونجذب استثمارات ضخمة ونؤمن فرصًا أكثر للكنديين”.

وأشار كارني إلى أن الهدف من زيارته يتمثل في حماية مصالح كندا الاقتصادية مع الحفاظ على الاستقلال السياسي والأمن القومي، في ظل ضغوط سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي شملت فرض رسوم على الصلب والألمنيوم والمركبات والأخشاب الكندية، إضافة إلى تصرفاته المثيرة للجدل التي اعتُبرت محاولة للسيطرة على كندا أو وضعها تحت النفوذ الأميركي المباشر، ما يعرف إعلاميًا بــ “ولاية 51” لكندا. وأكد كارني أن من الضروري مضاعفة الصادرات الكندية غير الأميركية بحلول عام 2035 لتقليل الاعتماد على الشريك التقليدي وتعزيز صمود الاقتصاد الكندي أمام الصدمات العالمية.

وتشكل ملفات التجارة أبرز التحديات أمام الزيارة، خصوصًا الرسوم الجمركية على المنتجات الأساسية، حيث فرضت كندا رسومًا بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، وردت بكين برسوم تصل إلى 76% على بذور الكانولا و100% على زيت الكانولا ووجبتها، بالإضافة إلى 25% على لحوم وأسماك كندية.

كما تسعى كندا لفتح أسواق للطاقة وجذب الاستثمارات دون خلق تبعية استراتيجية للصين. وأشارت خبيرة شؤون آسيا فينا نادجيبولا إلى أن النجاح سيكون في تحقيق مكاسب ملموسة على الجانب الاقتصادي، خاصة في قطاع الطاقة، وتحرك ملموس بشأن الرسوم، مؤكدة: “الصين ليست مجرد شريك، بل منافس وخصم”.

لقاء كارني الأخير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ على هامش قمة APEC في أكتوبر 2025 يمثل نقطة تحول في العلاقات الثنائية، حيث يسعى خبراء إلى أن تمنح زيارة كارني الحالية كندا مزيدًا من الاستقلالية الاستراتيجية وإعادة توازن علاقاتها مع الصين مع حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية – الصورة لـ سي بي سي نيـوز

التوازن بين المصالح الاقتصادية والسياسية

الزيارة تمثل أيضًا رهانًا استراتيجيًا لإعادة التوازن في السياسة الخارجية الكندية. وحذر الدبلوماسي السابق المحتجز في الصين مايكل كوفريغ من تقديم تنازلات صغيرة قد تبدو غير مهمة على المدى القصير لكنها قد تؤدي لمشاكل مستقبلية، مؤكدًا ضرورة عدم المساومة على الأمن الوطني أو الاستقلال السياسي مقابل مكاسب اقتصادية.

كما شددت مستشارة الأمن القومي السابقة جودي توماس على أهمية التواجد في “الأماكن غير المريحة” وإجراء المحادثات الصعبة لبناء أسواق بديلة للولايات المتحدة، مشيرة إلى وجوب معرفة ما تريده كندا من الصين وما تريده الصين من كندا. وفي السياق نفسه، أشار وزير العدل السابق والناشط الحقوقي “أيروين كوتلر” إلى أن الانخراط الاستراتيجي يجب ألا يأتي على حساب حقوق الإنسان، مؤكدًا: “أنا مؤيد للانخراط الاستراتيجي، لكن ليس على حساب حقوق الإنسان. إذا بقيت كندا صامتة، ستستمر الحكومة الصينية في الاعتقاد بأنها يمكن أن تنتهك القوانين بحرية”.

حتى المعارضة الداخلية قدمت تقييمًا للزيارة، حيث انتقد زعيم حزب المحافظين بيير بويليفر الرحلة، معتبراً أنها “حرق آلاف الليترات من الوقود للتواصل مع الأثرياء العالميين دون تحقيق أي شيء للكنديين، ويجب على كارني البقاء في الوطن للتركيز على عكس السياسات الليبرالية المدمرة التي تبطئ الاقتصاد وتدفع ملايين الكنديين إلى بنوك الطعام”.

في ضوء زيارة كارني إلى الصين، فإن تأجيل بكين للحكم النهائي في نزاع الكانولا مع كندا يضيف أبعادًا حاسمة لمفاوضاته، حيث يسعى إلى تخفيف الرسوم الجمركية الثقيلة التي أثرت على المزارعين الكنديين واستعادة تدفق صادرات الكانولا الحيوية، بما يعكس الحاجة الملحة لإعادة ضبط العلاقات التجارية وحماية مصالح كندا الاقتصادية – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر سي تي في

أفق المستقبل والعلاقات متعددة الأطراف

بعد الصين، يخطط كارني للانتقال إلى قطر، ثم المشاركة في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، في إطار استراتيجية تهدف إلى تنويع الشراكات الدولية وتخفيف الاعتماد على أي طرف منفرد. ويرى المحللون أن هذه الخطوات تعكس رغبة كندا في إنشاء شبكة أمان دبلوماسية واقتصادية متعددة الأطراف لمواجهة أي تقلبات محتملة في علاقاتها مع الولايات المتحدة أو الصين.

وتحمل الزيارة أيضًا أبعادًا رمزية مهمة، إذ قد تتيح لكندا استعادة قنوات دبلوماسية رفيعة المستوى، فضلاً عن تسوية بعض ملفات التجارة المعلقة والضغط على الصين لتخفيف الرسوم الجمركية، مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي. وفي عالم يشهد تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، تمثل هذه الخطوة اختبارًا لقدرة كندا على التوازن بين المصالح الاقتصادية وحماية السيادة الوطنية.

إذا نجحت المحادثات في التوصل إلى تخفيف الرسوم الجمركية على المنتجات الكندية مثل الكانولا والطاقة والخدمات الزراعية، فقد يفتح ذلك الباب أمام تعزيز الصادرات وتحقيق نمو اقتصادي أكثر تنوعًا، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. وعلى الصعيد السياسي، تمثل الزيارة فرصة لإعادة بناء الثقة الدبلوماسية بعد سلسلة من الخلافات، بما في ذلك الاحتجاز السابق للدبلوماسيين الكنديين والتدخلات الصينية المزعومة في الانتخابات.

أما على المستوى الاستراتيجي الدولي، فإن الزيارة تأتي في ظرف حساس يتزامن مع الضغوط الأميركية والسياسات التجارية غير المتوقعة للرئيس ترامب، ما يجعل نجاحها مؤشرًا على قدرة كندا على تنويع شراكاتها الدولية وتأمين شبكة أمان متعددة الأطراف تشمل الصين وقطر ودافوس.

وفي حال لم تحقق الزيارة تقدمًا ملموسًا، فإن التداعيات قد تشمل تجميد بعض ملفات التجارة، استمرار الضغط على الأسواق الكندية، وتعقيد فرص الانخراط الاستراتيجي مع القوى الكبرى، مما يجعل هذه الزيارة نقطة مفصلية في تاريخ العلاقات الكندية-الصينية، وصمام أمان أمام التحديات الاقتصادية والسياسية المستقبلية، ويحدد نجاحها قدرة كندا على التحرك بمرونة بين مصالحها الوطنية والضغوط الدولية.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل