واشنطن تُحاصر كوبا وكندا تحت ضغط سياسي حاد للتّدخل الفوري
تجد الحكومة الكندية نفسها في مأزق سياسي ودبلوماسي متصاعد، مع تزايد الدعوات الداخلية للتحرك لمساعدة كوبا، في وقت تعمل فيه الإدارة الأميركية على خنق إمدادات الوقود إلى الجزيرة الكاريبية.
هذا الوضع فاقم الأزمة الإنسانية وأشعل خطوط التوتر في نصف الكرة الغربي، محوّلًا كوبا إلى بؤرة اختبار حقيقية للضغوط الإقليمية. التطورات المتسارعة تشكل، وفق خبراء، اختبارًا مباشرًا لخطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي دعا في يناير خلال المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن تقف “القوى المتوسطة” في وجه ترهيب القوى العظمى، وكوبا اليوم تمثل الساحة العملية التي يختبر فيها هذا المبدأ على أرض الواقع.
وتتعرض أوتاوا لضغوط متزايدة بعد أن دعا الزعيم المؤقت للحزب الديمقراطي الجديد دون ديفيز، وزعيم الكتلة الكيبيكية إيف-فرانسوا بلانشيه، الحكومة الليبرالية إلى إرسال مساعدات فورية إلى كوبا. السكان هناك يواجهون انقطاعات كهرباء حادة، ونقصًا في الغذاء والوقود والأدوية.
الولايات المتحدة قطعت إمدادات النفط القادمة من فنزويلا، المورد الرئيسي لكوبا، ولوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية ثقيلة على أي دولة ترسل وقودًا إلى هافانا، مشيرًا إلى أن الحكومة الكوبية تبدو “جاهزة للسقوط”.
بينما تُعد كندا من الدول الغربية القليلة التي حافظت على علاقات ودية مع كوبا منذ ثورة 1959، رغم الحصار الأميركي المستمر منذ عقود، فإن أي تحرك كندي اليوم قد يهدد علاقة أوتاوا المتوترة أصلًا مع واشنطن، خاصة مع اقتراب مراجعة اتفاقيات تجارية حساسة بين البلدين.

كوبا تختبر صدقية خطاب كارني
وزير التجارة والشؤون الحكومية الكندية دومينيك لوبلان أشار إلى أن إعلانًا بشأن مساعدات إنسانية سيصدر قريبًا، غير أن القرار لم يُحسم بعد. البروفيسور ديفيد كارمنت من جامعة كارلتون يرى أن الحاجة الإنسانية واضحة وملحّة، معتبرًا أن كندا “كان يفترض أن تعلن بالفعل” عن مساعدات إنسانية باعتبارها الخيار الأكثر إلحاحًا.
وتُعد كندا أحد أبرز الشركاء التجاريين لكوبا، بحجم تبادل سنوي يقارب مليار دولار. وهي السوق الكاريبية الأولى للصادرات الكندية، وأكبر مصدر للسياح إلى الجزيرة، وثاني أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر فيها. أي تدهور إضافي في الوضع الكوبي له انعكاسات اقتصادية مباشرة على المصالح الكندية.
في موازاة التردد الحكومي، أعلنت الشبكة الكندية لكوبا، وهي ائتلاف يضم 24 منظمة كندية، أنها تستعد لإرسال حاوية مساعدات جديدة هي التاسعة عشرة منذ عام 2020. خوليو فونسيكا، الرئيس المشارك للشبكة ورئيس جمعية الكوبيين في تورونتو، قال، نقلا عن “سي بي سي”، إن الوضع الحالي “يائس للغاية”، وإن كوبا تحتاج المساعدة “الآن، فورًا”.
الحاوية ستشمل إمدادات طبية وأغذية معلبة، وحليبًا مجففًا، وأرزًا وفاصولياء، وزيت طهي ومولدات كهربائية وفرشًا. ومن المقرر أن تغادر في السابع من مارس إلى هافانا أو سانتياغو دي كوبا. هذا التحرك المدني يعكس قلقًا متزايدًا بين الكوبيين في كندا على أقاربهم في الجزيرة، في ظل صعوبة التواصل وانقطاع الكهرباء المتكرر، الذي يمنع حتى شحن الهواتف المحمولة.
ورفعت الحكومة الكندية مستوى التحذير للسفر إلى كوبا إلى الدرجة البرتقالية، داعية المواطنين إلى تجنب أي سفر غير ضروري بسبب نقص الوقود والكهرباء والمواد الأساسية. انخفاض إمدادات الوقود يهدد النقل البري ويعطل عمل المنتجعات السياحية، في حين علّقت جميع شركات الطيران الكندية رحلاتها القادمة إلى الجزيرة، وبدأت جهود لإعادة المسافرين العالقين هناك. كما أضافت شركات أوروبية محطات تزويد إضافية بالوقود في الدول المجاورة. وطُلب من الكنديين في كوبا تأكيد ترتيبات عودتهم وعدم تمديد إقامتهم، وسط احتمال توقف الرحلات التجارية فجأة.

وقود محاصر… وأوتاوا تحت الضغط
ورغم دعوات بعض الأطراف لإرسال الوقود، خصوصًا مع تعهد روسيا بتقديمه، فإن الواقع القانوني والاقتصادي يقيّد هامش الحركة الكندي. قطاع النفط مملوك لشركات خاصة، ومعظمها يعمل داخل الولايات المتحدة، ما يجعلها عرضة لأي إجراءات انتقامية أميركية.
هنا تتحول الأزمة إلى معادلة معقدة بين المبادئ والمصالح، بين خطاب كارني الطموح وحسابات التجارة الصارمة. كارمنت يرى أن كوبا تمثل “حالة اختبار” حقيقية لرسالة كارني، فإما أن تؤكد كندا التزاماتها التاريخية، أو تسمح لإدارة أميركية “مصممة على فرض هيمنتها على نصف الكرة الغربي” بفرض إملاءاتها. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن أي تحرك يجب أن يكون بالتنسيق مع دول مثل المكسيك وإسبانيا والبرازيل لتجنب المواجهة الثنائية المباشرة مع واشنطن، مشيرًا إلى أن تجاهل الأزمة قد يحمل “كلفة سمعة” ثقيلة لكندا.
في المقابل، يحذر البروفيسور مارك مانغر من جامعة تورونتو من أن أي مساعدات يجب أن تكون “استراتيجية”، بحيث تفيد الشعب الكوبي لا الحكومة، مشددًا على عدم “مدّ شريان حياة لنظام سجن آلاف الأشخاص ودفع ربع السكان إلى مغادرة الجزيرة”. ويعتبر أن كندا ليست ملزمة بالتدخل الآن إذا لم تتدخل في أزمات سابقة، إلا إذا انهارت الحكومة الكوبية فعليًا. هذا الجدل يعكس الانقسام داخل كندا بين مقاربة إنسانية بحتة وأخرى حذرة تخشى تداعيات سياسية وأمنية أوسع.

أزمة إنسانية ومخاطر مواجهة واشنطن
الإدارة الأميركية لم تكتف بقطع النفط الفنزويلي، بل وسّعت قيودها ضمن سياسة تعتبرها هافانا “حربًا اقتصادية”. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أبرز الداعين لتغيير النظام في كوبا، فيما أشار ترامب إلى احتمال اتخاذ خطوات عسكرية بعد العملية الأميركية في كاراكاس، التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في إشارة أثارت مخاوف من تصعيد إقليمي أوسع.
المكسيك أرسلت بالفعل سفنًا بحرية محملة بمواد غذائية ومستلزمات نظافة إلى كوبا، وهو ما يستشهد به نواب كنديون للمطالبة بتحرك مماثل من أوتاوا. السفير الكوبي في أوتاوا، رودريغو مالميركا دياز، اتهم واشنطن بانتهاك القانون الدولي، معتبرًا أن سياسة “الحرب الاقتصادية” بلغت “أكثر تعبيراتها قسوة”، بهدف خنق الاقتصاد والسكان ودفع البلاد إلى الاستسلام.
على الأرض، الصورة قاتمة: انقطاعات الكهرباء تمتد لساعات طويلة، وسائل النقل شبه متوقفة، طوابير طويلة أمام محطات الوقود، ونقص حاد في الغذاء والدواء. شهادات عائدة من هافانا تؤكد أن آثار الإجراءات الأميركية كانت “ملموسة وفورية”، وأن الوضع في المدن الصغيرة والمناطق الريفية أكثر سوءًا.
وسط هذا المشهد، تجد كندا نفسها مضطرة لترجمة خطابها حول استقلالية القوى المتوسطة إلى فعل ملموس، أو الحفاظ على الصمت الاستراتيجي لتجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن. أياً كان الخيار، فإن تبعاته السياسية والاقتصادية والدبلوماسية ستظل حاضرة في حسابات أوتاوا خلال هذه اللحظة الإقليمية الحساسة.





