الشــرق الأوســط

واشنطن تُعيد تموضع قوّاتها في سوريا: انسحابٌ محسوب أم شرارةٌ لإحياء “داعش”؟

لم يكن قرار واشنطن سحب قواتها من سوريا مجرد خطوة عسكرية إجرائية، بل لحظة سياسية تعكس تحوّلًا عميقًا في فلسفة الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط. فبعد أكثر من عشر سنوات على الحضور العسكري الذي تأسس تحت عنوان محاربة تنظيم “داعش”، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تعيد تعريف مفهوم النفوذ ذاته: من السيطرة الميدانية المباشرة إلى إدارة التوازنات عن بُعد، ومن الانتشار طويل الأمد إلى تدخل انتقائي محسوب الكلفة والمخاطر.

الإعلان الذي بثّته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) في منتصف فبراير/شباط 2026 عن إخلاء القوات الأميركية قواعد الشدادي والتنف لم يكن مفاجئًا في مضمونه بقدر ما كان مفصليًا في توقيته. فالقرار يأتي في سياق استراتيجية أمن قومي أميركية جديدة أُقرت في ديسمبر/كانون الأول 2025، وتقوم على تقليص الانتشار العسكري المباشر في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تصاعد التوتر الإقليمي واحتمالات الاحتكاك مع إيران في أكثر من ساحة.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الانسحاب كانسحاب بقدر ما هو إعادة تموضع استراتيجية تعكس انتقال واشنطن من مرحلة “ضبط المشهد” إلى مرحلة “إدارة المخاطر”. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تملك القوى المحلية والإقليمية القدرة على ملء الفراغ دون أن يتحول إلى بيئة خصبة لعودة التهديدات القديمة بأشكال جديدة؟

جنود أميركيون وقوات سوريا الديمقراطية يتدربون في دير الزور بسوريا في مارس 2022، حيث تخطط واشنطن لإعادة تموضع قواتها بشكل مدروس لضمان السيطرة الاستراتيجية والتحرك السريع لمواجهة أي اضطرابات محتملة في شمال وشرق سوريا ضمن إدارة المخاطر الإقليمية – الصورة لـ وكالة الأنباء الفرنسية | غيتي غيماجيس عبر تاسك آند بوربس

انسحاب مدروس… أم إعادة توزيع للمخاطر؟

ونقلت رويترز عن مسؤول أميركي كبير قوله إن مغادرة بعض القوات تأتي في إطار “انتقال مدروس ومشروط”، فيما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن واشنطن كانت تدرس سحب نحو ألف جندي، مع إبقاء الجاهزية للتدخل ضد أي تهديد لتنظيم الدولة الإسلامية. هذا التوصيف يعكس مقاربة أميركية جديدة لا تقوم على الانسحاب الكامل، بل على إعادة توزيع المخاطر وتقليل الكلفة المباشرة.

وقال العميد الركن نضال زهوي مدير مركز الدراسات الاستراتيجية لـ”هنا كندا” إن الانسحاب الأميركي من الأراضي السورية ليس معزولاً عن القواعد العسكرية في العراق بسبب الترابط الجغرافي، مشيرًا إلى أن الخطوة جاءت لسببين رئيسيين: تنفيذ استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أقرت في ديسمبر 2025، وتأمين حماية الجنود الأميركيين في حال حصول اشتباك مع إيران ودخول فصائل عراقية على خط المواجهة. هذا الربط بين الساحتين السورية والعراقية يضع الانسحاب في إطار أوسع من مجرد قرار تكتيكي، بل كجزء من إعادة تموضع إقليمي شامل.

في المقابل، يرى الإعلام الغربي، أن واشنطن لا تغادر سوريا بقدر ما تتحول إلى نمط “الضربات ما وراء الأفق”، أي الاعتماد على الاستخبارات الدقيقة والتدخل الجوي المحدود بدل الانتشار الأرضي المكثف. غير أن هذا التحول يفتح سؤالًا جوهريًا: هل يكفي الردع عن بُعد لضبط بيئة أمنية شديدة التعقيد مثل شمال وشرق سوريا؟

مركبة عسكرية أميركية تتحرك على طريق في يوم اجتماع بين قادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والقادة العسكريين الأميركيين، في دير حافر بسوريا، 16 يناير 2026 – الصورة لـ رويترز

الفراغ الأمني… البيئة الرمادية التي يتغذى عليها “داعش

وفق ما ورد في التقرير، فإن تقليص النفوذ الكردي وعمليات إعادة التموضع أدت إلى فراغ أمني نسبي في بعض المناطق، ما تسبب في تفلت عناصر من تنظيم “داعش”، مع نقل أكثر من خمسة آلاف سجين إلى العراق. هذا الواقع يثير مخاوف جدية في الأوساط الأمنية الغربية، التي تحذر من أن الخطر لا يتمثل في عودة التنظيم كقوة مسيطرة على أراضٍ واسعة، بل في إعادة تنشيط خلاياه النائمة واستثمار أي ارتباك أمني لتنفيذ عمليات نوعية محدودة لكنها مؤثرة.

وقال معتصم الكيلاني المحلل السياسي والباحث لـ”هنا كندا” إن التحدي لا يكمن في عودة “داعش” ككيان يسيطر على جغرافيا واسعة، بل في احتمال تنشيط خلاياه النائمة واستغلال أي خلل أمني، لافتًا إلى أن تقليص القدرات الاستخباراتية والعملياتية المباشرة على الأرض قد يفرض على القوى المحلية عبئًا أكبر في مراقبة السجون والمخيمات وملاحقة الشبكات السرية. هذه المقاربة تتقاطع مع تقييمات أوروبية حديثة ترى أن التنظيم انتقل منذ سنوات إلى استراتيجية الاستنزاف طويل الأمد بدل المواجهة المفتوحة.

كما أن مسألة السجون والمخيمات، التي تضم آلاف المقاتلين وعائلاتهم، تبقى نقطة هشاشة أساسية. فغياب دعم أمني وتقني مستدام قد يحول أي حادث محدود إلى شرارة فوضى أوسع، خصوصًا في مناطق ذات تنوع إثني وحساسيات سياسية معقدة.

دخول القوات السورية إلى قاعدة الشدادي في الحسكة بعد انسحاب الولايات المتحدة، التي أتمت سحب قواتها من سبع قواعد عسكرية رئيسية من أصل ثماني في سوريا، يعكس إعادة ترتيب موازين النفوذ واستراتيجية جديدة للسيطرة على شمال وشرق البلاد – الصورة لـ وكالة الأنباء الفرنسية عبر ذا كراديل

إعادة رسم خرائط النفوذ… من يملأ الفراغ؟

الانسحاب الأميركي لا يعيد خلط الأوراق أمنيًا فحسب، بل سياسيًا وإقليميًا أيضًا. فبعض القوى المحلية التي نسجت علاقات استراتيجية مع واشنطن تجد نفسها اليوم أمام ضرورة إعادة التموضع، سواء عبر التفاوض مع دمشق أو البحث عن مظلات إقليمية بديلة. وفي المقابل، يعزز القرار من قدرة الحكومة السورية على توسيع هامش حركتها في الشمال والشرق، ولو تدريجيًا.

إقليميًا، تترقب موسكو وطهران التطورات باعتبارها فرصة لإعادة توزيع النفوذ، فيما تراقب أنقرة المشهد بحساسية بالغة نظرًا لارتباطه بأمن حدودها والملف الكردي. وتشير تحليلات غربية حديثة إلى أن الانسحاب قد يُقرأ في المنطقة كإشارة إلى إعادة ترتيب أولويات واشنطن عالميًا، ما يدفع قوى إقليمية إلى اختبار حدود النفوذ الأميركي الجديد.

ومع ذلك، لا يعني الانسحاب تخليًا كاملاً عن الملف السوري. فواشنطن تؤكد استعدادها للتدخل السريع إذا عاد تنظيم الدولة الإسلامية إلى الواجهة، ما يعني أن المعادلة الجديدة تقوم على “ردع بلا وجود دائم”. غير أن هذه المقاربة تبقى محفوفة بالمخاطر في بيئة تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتتحول فيها الفجوات الأمنية الصغيرة إلى أزمات كبيرة.

لا ينهي القرار الأميركي الصراع في سوريا، لكنه يفتح مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا. فإما أن تنجح الأطراف المحلية والإقليمية في إدارة التحول ضمن توازنات تفاوضية دقيقة، وإما أن يتحول الفراغ إلى ساحة تنافس حاد، قد يجد فيه “داعش” مساحة جديدة للحركة. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت واشنطن قد انسحبت، بل ما إذا كانت قد غادرت في التوقيت الصحيح… أم أنها تركت خلفها توازنًا قابلاً للاهتزاز.

كاتب

مهـيبة بين

صحفية متخصصة في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل