تكنـولـوجيا

إِيرباص في أَلبِرتَا: ماكينةٌ عالميّةٌ لتنقيةِ الهواء في قلبِ كندا

دخلت شركة إيرباص سوق مكافحة التغير المناخي عمليًا، من خلال نشر أول وحدة صناعية لتقنية الصيد المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء في كندا، ضمن مرفق ديب سكاي ألفا في بلدة إينيسفايل بمقاطعة ألبرتا. هذه الخطوة تتجاوز الإعلان التجاري، لتشكل مؤشراً على تحول شركات التكنولوجيا الكبرى نحو مواجهة أزمة المناخ مباشرة، خارج نطاق الطيران المدني الذي اشتهرت به إيرباص.

تستطيع الوحدة الجديدة إزالة 250 طنًا من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وفقًا لإعلان شركة ديب سكاي بعد أقل من ثمانية أشهر على تصنيع الوحدة وتسليمها.

وقال المدير التنفيذي للشركة، أليكس بيتري: “يمثل المشروع بداية لتحويل الأفكار العلمية إلى حلول قابلة للتوسع بسرعة لمواجهة مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي”.

وتستند تكنولوجيا الصيد المباشر المستخدمة إلى أنظمة دعم الحياة في محطة الفضاء الدولية، وهو انتقال تقني مباشر من الفضاء إلى الأرض، يمكّن الإنسان من تنظيف الهواء بشكل صناعي ملموس.

وأضاف بيتري: “إذا أردنا أن تكون إزالة الكربون فعالة، يجب أن نرى مشاريع يمكن أن تتوسع بسرعة وتزيل مليارات الأطنان، وليس مجرد وحدات تجريبية صغيرة”.

مرفق ديب سكاي ألفا: مختبر عالمي لإزالة الكربون

لا يُعد مرفق ديب سكاي ألفا مشروعًا فرديًا صغيرًا، بل مركزًا عالميًا مستقلًا لاختبار عدة تقنيات للصيد المباشر لثاني أكسيد الكربون في بيئة واحدة، مع بنية تحتية لتخزين الكربون جيولوجيًا بشكل دائم.

شُيّد المرفق خلال أقل من 12 شهرًا على مساحة خمسة أفدنة، ويهدف إلى تشغيل حتى 10 أنظمة متزامنة من مزوّدين عالميين مختلفين، لتقييم الأداء والكفاءة واستهلاك الطاقة والتكلفة تحت الظروف المناخية الكندية.

وتقدّر الشركة أن المرفق يمكنه التقاط نحو 3,000 طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا في المرحلة الأولية، مع إمكانية الوصول إلى 30,000 طن عند توسيع التشغيل خلال السنوات القادمة.

ويُعد المرفق معيارًا جديدًا للشفافية والمقارنة بين تقنيات إزالة الكربون، كما يتيح مراقبة عملية التخزين الجيولوجي، ليكون مرجعًا لمشاريع مماثلة في أمريكا الشمالية والعالم.

ديب سكاي تثبت وحدة إزالة الكربون المباشر من إيرباص في ألبرتا، خطوة مبتكرة تجمع بين التكنولوجيا الفضائية والحلول المناخية الأرضية، مع قدرة على إزالة 250 طنًا من ثاني أكسيد الكربون سنويًا – الصورة لـ ديب سكاي عبر موقع غاز وورلد

التقنية من الفضاء إلى الهواء الكندي

آلية عمل الوحدة واضحة: يسحب الهواء المحيط عبر مراوح، ثم يمر عبر مرشح صلب قائم على أمينات يمتص ثاني أكسيد الكربون. عند امتلاء المرشح، يتم تسخينه لإطلاق ثاني أكسيد الكربون بتركيز عالٍ ليُخزّن، فيما يعود الهواء المنظف إلى الغلاف الجوي.

وتحتوي الوحدة على دورة لاسترجاع الطاقة الحرارية لتقليل استهلاك الكهرباء أثناء التسخين، وهي خطوة أساسية لضمان جدوى المشروع على المستوى التجاري، خاصة أن استهلاك الطاقة يُعد من أكبر التحديات أمام توسيع هذه التقنية.

وحصلت شركة ديب سكاي في 2024 على منحة بقيمة 40 مليون دولار أمريكي من برنامج الطاقة الرائدة لدعم تقنية الصيد المباشر في كندا. كما أعلنت عن اتفاقات لبيع ائتمانات إزالة الكربون لشركات كبرى مثل مايكروسوفت وبنك رويال كندا، ما يعكس تحول التقنية من تجربة بيئية إلى سلعة قابلة للتداول ضمن أسواق الحياد الكربوني.

ثغرات مشروع إزالة الكربون

رغم الإنجازات التقنية لمشروع ديب سكاي، يواجه تحديات جوهرية تهدد فاعليته على المستوى البيئي والتجاري.

فالوحدة الحالية، التي تزيل نحو 250 طنًا سنويًا من ثاني أكسيد الكربون، تبقى صغيرة جدًا مقارنة بانبعاثات الصناعات الكبرى أو المستوى الوطني في كندا، وحتى تشغيل عدة وحدات قد لا يكون كافيًا لإحداث تأثير ملموس على المناخ.

كما تظل استدامة التشغيل واستهلاك الطاقة مصدر قلق؛ فمع وجود دورة لاسترجاع الحرارة، لا تتوفر معلومات دقيقة حول نوع الطاقة المستخدمة، سواء كانت متجددة أم من شبكة الكهرباء العامة، ولا حول تكاليف التشغيل الفعلية.

التخزين الجيولوجي للكربون، رغم كونه الحل المعتمد، يفرض رقابة صارمة لضمان الأمان البيئي، مع تساؤلات عن احتمالية التسرب وشفافية متابعة التأثيرات البيئية من قبل جهات مستقلة.

إضافة إلى ذلك، يطرح ما يعرف بـ”ترخيص الانبعاث” خطرًا إضافيًا، إذ قد تعتمد بعض الصناعات على وعد التقاط الكربون مستقبلًا لتستمر في الانبعاث دون خفض حقيقي، مما يقلل من جدوى المشروع كحل بيئي فعّال.

وفي قلب هذه التحديات يبقى سؤال الشفافية والمساءلة قائمًا: هل ستنشر الشركة بيانات كمية دقيقة عن ثاني أكسيد الكربون الملتقطة والمخزنة، وهل هناك تدقيق مستقل يضمن صحة هذه الأرقام والتزام المشروع بالمعايير البيئية؟

إزالة الكربون بين الطموح والواقع

يمثل مشروع إيرباص وديب سكاي في ألبرتا خطوة حقيقية نحو تقنيات إزالة الكربون على نطاق صناعي، لكن نجاحه لن يُقاس بعدد الوحدات المنشأة فقط، بل بمدى الشفافية، الجدوى الاقتصادية، الفاعلية المناخية، والتكامل مع جهود خفض الانبعاثات الأساسية.

ويختتم بيتري بالقول: “إذا أردنا أن تكون إزالة الكربون فعالة، يجب أن نرى مشاريع يمكن أن تتوسع بسرعة وتزيل مليارات الأطنان، وليس مجرد وحدات تجريبية صغيرة”.

في ظل أزمة مناخية متسارعة، يظل المشروع رمزًا للتقدم العلمي والتقني، وفي الوقت نفسه دعوة واضحة للتدقيق والتحليل المستقل لضمان ألا تتحول هذه الوحدات إلى مجرد حل تجميلي يعوّض عن استمرار الانبعاثات بدلًا من الحد منها.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل