تكنـولـوجيا

خطـرُ التّضليل الرّقمي على الرّأي العام العالمي

مع مطلع عام 2026، تصدرت ظاهرة التضليل الرقمي والمعلومات المضللة المدعومة بالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي قائمة التحديات التي تواجه المجتمعات في نحو 25 دولة حول العالم. هذه الظاهرة ليست مجرد قضية إعلامية عابرة، بل تشكل خطرًا واسع النطاق يؤثر على استقرار الدول، وثقة الجمهور، والقدرة على اتخاذ قرارات مدروسة في مجالات الأمن، والصحة، والاقتصاد، والمناخ.

في استطلاع عالمي أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2025، أعرب حوالي 72% من البالغين في 25 دولة عن قلقهم من انتشار المعلومات الكاذبة على الإنترنت، معتبرينها تهديدًا كبيرًا لبلدانهم. ويظهر هذا الرقم أن التضليل الرقمي يُعد أخطر من معظم التهديدات الأخرى التي شملها الاستطلاع، مثل الإرهاب أو الأوضاع الاقتصادية العالمية.

وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، يُصنَّف التضليل الرقمي ضمن أهم المخاطر قصيرة المدى التي تهدد استقرار الدول والمجتمعات، من خلال تقويض الثقة في المؤسسات وزيادة الانقسامات الاجتماعية. كما يحذر التقرير من أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يسرّع انتشار الأخبار الزائفة ويعمّق التضليل بشكل يصعب على الحكومات والمؤسسات تتبعه والتحكّم فيه.

تهدد هجمات التصيّد الإلكتروني المعززة بالذكاء الاصطناعي الأفراد والشركات على حد سواء، إذ تستخدم محتوى مزيفًا شديد الواقعية مثل الفيديوهات والصوتيات والصور لخداع الضحايا، مما يجعل التعرف عليها أكثر صعوبة ويزيد من فعاليتها بشكل كبير – الصورة لـ بيتواردن

انتشار المعلومات المضللة: تهديد عالمي متزايد

يعكس هذا التوجه العالمي إدراكًا واسعًا بخطورة التضليل الرقمي وتأثيره العميق على الرأي العام في سياقات مختلفة جغرافيًا وأيديولوجيًا واقتصاديًا. ففي ألمانيا وبولندا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، يرى غالبية السكان أن المعلومات المضللة تُعد أكبر تحدٍ يومي أمام الحصول على المعرفة الدقيقة واتخاذ القرارات الصائبة.

التضليل الرقمي اليوم يشبه فيروسًا رقميًا سريع الانتشار، وقد أصبح عامل ضغط موحد على المجتمعات عبر القارات. في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، يشعر الناس بأن العثور على الحقيقة في بحر من المحتوى الرقمي المزيف أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

أحد أبرز عوامل شدة هذه الظاهرة هو الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يتيح إنتاج نصوص وصور وفيديوهات مزيفة يصعب تمييزها عن الأصل. الموجة الحالية من المحتوى المضلل ليست مجرد أخطاء بشرية أو منشورات عشوائية، بل مواد رقمية مصمَّمة بدقة لجذب الانتباه واستهداف الجمهور وفق شخصياته الاجتماعية والسياسية.

في هذا السياق، حذر لويس تيتو، الرئيس التنفيذي لشركة برمجيات ذكاء اصطناعي، قائلاً: “إذا أصبحت التكنولوجيا والأدوات متحيزة، وهي بالفعل كذلك، ثم تحكم فيها قوى خبيثة، فسنكون في وضع أسوأ مما كنا عليه مع وسائل التواصل الاجتماعي”، مشيرًا إلى استغلال الجهات المضللة لأنظمة الذكاء الاصطناعي لحقن شبكاتها بالمعلومات المزيفة.

وفق تقرير غارتنر لعام 2025، من المتوقع أن يصل الإنفاق العالمي على مواجهة التضليل والمعلومات المضللة إلى أكثر من 30 مليار دولار بحلول عام 2028، في ظل اعتراف الشركات والمؤسسات بأن هذا النوع من التهديدات يهدد الثقة بالمؤسسات ويقوض العلاقات بين العلامات التجارية والجمهور.

يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدًا مزدوجًا للمعرفة والمجتمعات، إذ يسرّع الابتكار وفي الوقت نفسه يعمّق التضليل الرقمي ويقوّض ثقة الجمهور بالمؤسسات – الصورة لـ رويترز عبر انديا اكسبريس

الذكاء الاصطناعي يعمّق التضليل العالمي

من منظور اقتصادي، يضيف التضليل طبقة أخرى من المخاطر. حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، قد تتأثر قيمة الأسهم بشكل مباشر خلال دقائق نتيجة انتشار معلومات مضللة حول شركة ما أو السوق المالي، وسجّل التاريخ حالات خسائر بمئات مليارات الدولارات نتيجة تغريدات أو مواد مضللة.

وفي الوقت نفسه، أظهرت الدراسات أن أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة لإنشاء الأخبار المزيفة تتطور بوتيرة أسرع من أدوات التحقق التقليدية. وفق تقرير أكاديمي صادر أواخر 2025، لا تزال أدوات كشف المحتوى المزيف غير فعّالة بما يكفي لمواجهة المواد المزيفة المنتشرة في العالم الواقعي، حتى تلك المطوّرة من الجهات الحكومية والأكاديمية، مما يجعل القدرة على فصل الحقيقة عن الزائفة في الزمن الحقيقي ضعيفة أمام سرعة التضليل.

يتجسد التضليل الرقمي بطرق متعددة: من الأخبار الكاذبة حول الانتخابات إلى حملات ممنهجة تستهدف القضايا الصحية مثل التطعيم والأمراض المعدية، والمعلومات المناخية المغلوطة التي تهدف إلى خلق سرديات مضللة حول تغير المناخ وسياسات البيئة. كل ذلك يؤدي إلى تأخير القرارات الحكومية الحيوية، ويعطل الاستجابات الجماعية للأزمات، ويخلق بيئات معلوماتية مضطربة يمكن استغلالها لأغراض جيوسياسية.

وفي تصريح ضمن مبادرة “نزاهة الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي”، شددت منظمات إعلامية غربية على ضرورة أن تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي الأخبار المستندة إلى الحقائق فقط، مؤكدة أن الشفافية في بيانات التدريب والإسناد ضرورية لحماية مصداقية المعلومات.

لم تعد المواد المضللة تؤثر فقط على فهم الناس للوقائع، بل تدفعهم إلى الشك في مصداقية الحكومات والإعلام والعلم والتقارير الرسمية، ما يضع هياكل الدولة تحت ضغط متزايد لمواجهة شكوك الجمهور. هذه الظاهرة ليست محصورة في الدول الغربية، فقد أظهر تقرير عالمي أن البالغين في الهند والبرازيل والفلبين من بين الأكثر قلقًا من الأخبار المفبركة، مما يؤكد الطابع العالمي لهذا التحدي.

تكشف أداة سيرف الجديدة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي مواجهة تهديدات التزييف العميق المتصاعدة قبل أن تقوّض الثقة بالمعلومات – الصورة لـ سيكيرتي بريــف

سباق المعرفة مقابل التضليل: إعادة بناء الثقة بالمعلومة

بدأت المؤسسات الدولية تُسلّط الضوء على هذه المخاطر. في تقرير للجنة الاتحاد الدولي للاتصالات التابعة للأمم المتحدة عام 2025، تم التأكيد على أن تحسين تقنيات كشف الفيديوهات والصوتيات المزيفة ضرورة عالمية، مع دعوات لإنشاء معايير دولية للتحقق الرقمي من المحتوى لضمان الشفافية والثقة في الإعلام الرقمي.

النتيجة واضحة: التضليل الرقمي ليس أزمة محلية أو مشكلة مرتبطة بمنطقة محددة؛ بل هو تهديد عالمي متعدد الجوانب، يؤثر على الرأي العام واستقرار الدول واتخاذ القرارات في مجالات الأمن العام، الصحة، الاقتصاد، والبيئة. كلمة “تهديد” هنا ليست مجازية، إذ يرى نحو 70% من الأمريكيين أن التضليل الرقمي يمثل خطرًا أكبر من الإرهاب والتغير المناخي على حد سواء، مما يجعله قضية أمن قومي عالمي.

السباق بين التضليل والقدرة على مواجهته يشهد محاولات متعددة من الصحافة والمنظمات المهنية، من تطوير أدوات التحقق من صحة الأخبار، وتحديث خوارزميات منصات التواصل، إلى تعزيز الوعي المعلوماتي لدى الجمهور. كما أطلقت منظمات إعلامية جماعية مبادرات لوضع أطر دولية للتحقق من المحتوى وتقاسم خبرات مكافحة التضليل بين الدول، بما في ذلك مؤتمرات عالمية مخصصة لهذا التحدي.

لكن التحدي الأهم يبقى في إعادة بناء الثقة بالمعلومة نفسها. فالمستقبل المزود بتقنيات متقدمة يتطلب أن يتعلم الجمهور كيفية التحقق من المصادر، وأن تنشأ شراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير أدوات رقمية تكشف التضليل قبل أن يؤثر على الجمهور. وحتى يتحقق هذا، يبقى الرأي العام العالمي في مواجهة تحدٍ معرفي كبير، لا يقل خطورته عن أي تهديد دولي تقليدي، لأنه يستهدف جوهر ما يعتقده الناس ويعتبرونه حقيقة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل