العـالم

أَمـريكا أوّلًا والبقيّةُ تدفع: نفوذُ ترامب بين الجباية وابتزاز الحُلفاء

تبدو عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأميركي وكأنها إعادة تشغيل لمشروع قديم بواجهة جديدة، يقوم على مبدأ بسيط لكنه صادم: “أميركا أولاً… والعالم يدفع”. فالرجل الذي دخل السياسة من باب المال لا يزال يتعامل مع القوة الأميركية بمنطق “الشركة العملاقة”، حيث تُقاس العلاقات الدولية بالربح والخسارة، وتُختزل التحالفات في لغة الفواتير والصفقات.

لقد أعاد ترامب تعريف الدور الأميركي على الساحة العالمية، فحوّل النفوذ إلى سلعة، والدبلوماسية إلى تجارة، والمبادئ إلى أوراق تفاوض. وبهذا، لم تعد التحالفات تُبنى على القيم المشتركة أو المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، بل على قدرة الشركاء على الدفع والامتثال.

ويرى أغلب الخبراء أن النتيجة الأبرز لهذه المقاربة هي تآكل الثقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين، وتنامي توجه عالمي نحو تعدد مراكز القوة والتحالفات، في مشهد دولي يسوده الحذر والبحث عن بدائل جديدة، خاصة في آسيا.

الجباية كعقيدة سياسية

منذ توليه الرئاسة عام 2017، حوّل ترامب شعار “أميركا أولاً” من مجرد خطاب انتخابي إلى سياسة مالية صارمة تجاه الخارج.

ووفق تقرير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، فقد اعتمد ترامب أسلوب “الجباية السياسية”، من خلال فرض رسوم جمركية على الصين والاتحاد الأوروبي، وربط بقاء القوات الأميركية في مناطق عدة بـ “فاتورة حماية” تدفعها الدول المستفيدة من الوجود الأميركي.

وفي أكثر من مناسبة، قال ترامب إن على السعودية واليابان وكوريا الجنوبية أن “يدفعوا مقابل الحماية”، مضيفًا: “نحن نحمي دولاً غنية جداً… لكنهم لا يدفعون شيئاً تقريبًا”.

وقال الدكتور طارق مسعود، أستاذ العلوم السياسية، لمنصة “هنا كندا”: “منذ توليه الرئاسة، تعامل ترامب مع التحالفات التقليدية كصفقات تجارية لا كشراكات استراتيجية. لا معنى لأي علاقة إذا لم تحقق ربحًا مباشرًا للولايات المتحدة. هذه المقاربة أحدثت شرخًا في بنية الثقة بين واشنطن وحلفائها، لا سيما في أوروبا وشرق آسيا”.

حين يُطلب من ألمانيا أو كوريا الجنوبية أن تدفع مقابل “الحماية”، فهذا يقوّض فكرة التضامن التي قام عليها حلف الناتو منذ الحرب الباردة. السياسة هنا لم تعد “قيادة من خلال القيم”، بل “ابتزازًا من موقع القوة”، وهو ما ترك أثرًا عميقًا على صورة أميركا في العالم.

ترامب جالس ويشير بإصبعه، مجسّدًا سياسات القوة الأميركية والتسلط الذي يفرض على الحلفاء دفع ثمن النفوذ، محولًا السياسة الدولية إلى لعبة ضغط اقتصادي ودبلوماسي بحسب خبراء – الصورة لـ ذا نيويورك تايمز

اقتصاد القوة بدل قوة الاقتصاد

بحسب تحليل لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، فإن ترامب لم يكن يسعى فقط لإعادة الوظائف إلى الداخل الأميركي، بل لتحويل النفوذ الأميركي إلى مصدر دخل مباشر.

الرسوم على الصلب الأوروبي، والتهديد بإلغاء الاتفاقيات التجارية، واستخدام العقوبات الاقتصادية ضد الخصوم والحلفاء على السواء، كانت أدوات لإجبار العالم على التعامل مع واشنطن بمنطق “الزبون والمورّد”، لا الشريك الاستراتيجي.

وفي ذات السياق، أفاد الدكتور شبلي تلحمي، الباحث في العلاقات الدولية، لموقع “هنا كندا” الإخباري بأن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب لم تكن مجرد إجراء اقتصادي، بل جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة ميزان القوى التجاري والسياسي في آنٍ واحد. الرسائل كانت واضحة: “إذا أردتم الوصول إلى السوق الأميركية، فعليكم دفع الثمن سياسيًا”.

لكن النتيجة الفعلية كانت عكسية؛ إذ أضعفت هذه السياسة الثقة بالنظام التجاري الدولي، ودفعت الصين والاتحاد الأوروبي إلى تعزيز تنسيقهما في مواجهة واشنطن.

من الناحية الاقتصادية، حمّل المستهلك الأميركي جزءًا كبيرًا من تكلفة تلك الرسوم، ما يجعل الأثر البعيد أشبه بضريبة داخلية غير معلنة.

صفقات السلاح.. من الشراكة إلى المساومة

يقول تقرير صادر عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” إن صفقات السلاح الضخمة التي وقعها ترامب مع دول الخليج، خصوصًا السعودية، مثّلت ذروة “سياسة الجباية”، إذ بلغت قيمتها نحو 450 مليار دولار، منها أكثر من 110 مليارات في صفقات دفاعية مباشرة.

ويرى التقرير أن ترامب تعامل مع بيع السلاح كأداة ابتزاز دبلوماسي، إذ كان يربط استمرار الدعم الأميركي أو “التغاضي” عن بعض السياسات الداخلية لتلك الدول، بمواصلة الشراء والاستثمار داخل الولايات المتحدة.

وأكد الدكتور عماد الدين شاهين، الباحث في العلوم السياسية، لـ “هنا كندا”، أن صفقات السلاح التي عقدتها إدارة ترامب مع دول الخليج تجاوزت منطق التعاون الدفاعي التقليدي. لقد تحوّل الأمن الإقليمي إلى رافعة مالية للاقتصاد الأميركي، وأداة لتعزيز موقع ترامب السياسي الداخلي.

من الناحية الاستراتيجية، أسهمت تلك الصفقات في تعزيز نفوذ الولايات المتحدة داخل بنية الأمن الخليجي، لكنها في المقابل عمّقت التبعية التقنية والعسكرية.

أما على المستوى القيمي، فقد قوّضت تلك السياسة مصداقية الخطاب الأميركي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ أصبح المعيار الوحيد هو حجم المبيعات وصفقات الأسلحة.

ترامب في القمة، مجسّدًا النفوذ الأميركي القوي، يفرض تكتيكاته الصارمة على حلفاء الناتو، مستعيدا الهيمنة الأميركية وابتزاز التعاون الأكبر لصالح واشنطن – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر تروث آوت

ابتزاز الحلفاء: الناتو نموذجًا

في قمة حلف شمال الأطلسي، وجّه ترامب انتقادات حادة لألمانيا وفرنسا وكندا، وهدّد بسحب القوات الأميركية إذا لم “تتحمّل الدول الأخرى نصيبها من النفقات”.

ووفق بيان صادر عن الاتحاد الأوروبي في يوليو 2018، فقد اعتُبر موقف ترامب “غير مسبوق في تاريخ العلاقات عبر الأطلسي”، وأثار موجة من القلق داخل الناتو.

وقال شاهين: “للمرة الأولى منذ عام 1945، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه مجبرًا على التفكير في أمنه الذاتي بعيدًا عن المظلة الأميركية”. تهديدات ترامب المتكررة بسحب القوات الأميركية من أوروبا، وفرض رسوم على الصادرات الأوروبية، جعلت القارة العجوز تدرك هشاشة اعتمادها على واشنطن. ولذلك نرى اليوم محاولات أوروبية حثيثة لبناء “استقلال استراتيجي” يشمل الدفاع والتكنولوجيا والطاقة.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن أوروبا لا تزال أسيرة الارتباط العسكري والاقتصادي بالولايات المتحدة، ولو بحدود أقل من السابق.

الخسائر والمكاسب

وفق بيانات وزارة التجارة الأميركية، فإن واشنطن جنت أكثر من 70 مليار دولار من الرسوم الجمركية التي فرضتها على الصين وحدها خلال رئاسة ترامب، إلا أن التكلفة الفعلية تحمّلها المستهلك الأميركي بعد ارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 15 و20٪ في بعض السلع المستوردة.

أما في الجانب العسكري، فقد زادت مساهمات دول الناتو في ميزانيات الدفاع الجماعي بنحو 100 مليار دولار، وهو ما اعتبره ترامب “انتصارًا ماليًا”، بينما وصفه الأوروبيون بأنه “ابتزاز مهذب”.

من جانبه، قال مسعود إن الاقتصاد السياسي في عهد ترامب يُظهر أن مفهوم “الأمن مقابل المال” أصبح جزءًا من الثقافة السياسية الأميركية. دول الخليج وجدت نفسها مطالبة بتقديم التزامات مالية واقتصادية للحفاظ على مستوى الحماية الأميركية.

لكن هذه المقاربة دفعت بعض العواصم العربية إلى التفكير بجدية في تنويع الشركاء، سواء عبر فتح قنوات مع الصين وروسيا، أو عبر تعزيز التعاون الإقليمي البيني.

على المدى البعيد، سيقود هذا التوجه إلى خريطة جديدة من التحالفات تُقلّل من مركزية الدور الأميركي، حتى وإن ظلت واشنطن الفاعل الأهم.

خبراء يؤكدون أن سياسات ترامب للنفوذ والجباية أعادت صياغة موازين القوة العالمية وزادت التوترات الدولية وأجبرت الحلفاء على دفع الثمن – الصورة لـ

ترامب 2025: عودة المشروع لا الشخص

لم تعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض موضوع تكهّن أو احتمال، بل واقعًا سياسيًا تتعامل معه العواصم الأوروبية والآسيوية بوصفه زلزالًا استراتيجيًا أعاد تشكيل ملامح السياسة الأميركية. فـ “مشروع ترامب” لم يمت بانتهاء ولايته الأولى، بل ترك أثرًا عميقًا في الثقافة السياسية الأميركية، وها هو يعود اليوم إلى مركز القرار.

إن القوة، في هذا المشروع، لا تُستخدم فقط للحماية أو الردع، بل أيضًا لتحقيق الربح، وإعادة تعريف العلاقات الدولية بمنطق الكلفة والعائد.

ويشير تقرير “واشنطن بوست” إلى أن إدارة ترامب أعادت طرح فرض رسوم على الواردات الأوروبية بنسبة لا تقل عن 10٪، إلى جانب تقليص المساعدات الخارجية بنحو 50٪، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن “أميركا ليست بنك العالم”.

ويؤكد تلحمي أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لا تُقرأ في العواصم الكبرى كحدث سياسي داخلي فحسب، بل كتحوّل استراتيجي في بنية النظام الدولي. فـ “عقيدة الجباية” التي بلورها ترامب في ولايته الأولى تقوم على تحويل أدوات القوة الأميركية – من التحالفات إلى التجارة – إلى وسائل ابتزاز اقتصادي وسياسي تخدم المصالح القومية الضيقة على حساب الشراكات التقليدية.

ما يقلق الأوروبيين والآسيويين اليوم هو أن الترامبية لم تعد نزوة شخصية، بل أصبحت تيارًا مؤثرًا داخل السياسة الأميركية يرى في التعددية عبئًا، وفي المؤسسات الدولية قيدًا. ولذلك، يُنظر إلى فوزه الثاني كـ “زلزال سياسي” قد يعيد رسم خريطة التحالفات الغربية، ويعمّق الفجوة بين واشنطن وحلفائها في الناتو والاتحاد الأوروبي، وربما يدفع القوى الآسيوية نحو مزيد من الاستقلالية الاستراتيجية.

يرى خبراء السياسة والاقتصاد أن دونالد ترامب لا يسعى إلى قيادة العالم بقدر ما يسعى إلى إعادة تسعيره. فالعلاقات الدولية، في نظره، ليست منظومة قيم أو التزامات أخلاقية، بل شبكة مصالح تُقاس بلغة الفواتير والأرباح. وبينما يراها أنصاره براغماتية واقعية تعيد للولايات المتحدة مكانتها الاقتصادية، يراها آخرون انحدارًا أخلاقيًا لقوة لطالما ادّعت الدفاع عن القيم الليبرالية.

إنّ ما يريده ترامب ليس مجرد عودة إلى البيت الأبيض، بل عالم يُدار بعقلية رجل أعمال، تُحسب فيه التحالفات بعائدها المادي، وتُقدّر فيه الشراكات بميزان المنفعة لا المبادئ. وهكذا، يفتح المشروع الترامبي الباب أمام سؤالٍ عميق يواجه الحلفاء قبل الخصوم:
هل نحن أمام نهاية زمن الشراكات الدولية القائمة على القيم، وبداية عصر الصفقات السياسية؟

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل