الشــرق الأوســط

البرنامـجُ النّـووي الإيرانـي: بين مُفاوضات الغرب وأوهام العرب

في قلب منطقة الشرق الأوسط المليئة بالصراعات الإقليمية والتحالفات المتغيرة، يبرز البرنامج النووي الإيراني كقضية محورية تجمع السياسة والأمن والدبلوماسية. الملف النووي الإيراني ليس مجرد مسألة تقنية أو عسكرية، بل أداة استراتيجية تستخدمها كل من القوى الغربية وطهران لتشكيل التوازن الإقليمي على مستويات متعددة، في حين تُترك بعض الدول العربية في موقف هش نسبيًا أمام التهديدات المتصاعدة.

الغرب، الذي غزا العراق عام 2003 بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل لم توجد أبدًا، يتفاوض اليوم مع إيران حول برنامج نووي فعلي، ما يكشف عن ازدواجية المعايير الدولية بوضوح. هذا التناقض يعكس استراتيجية غربية دقيقة: استخدام الملف النووي أداة للضغط والتحكم في المنطقة، مع الحفاظ على مصالح القوى الكبرى، بينما تُجبر الدول الإقليمية الأخرى على التكيف مع هذه المعادلة.

تطرح هذه المعادلة سلسلة من الأسئلة الحيوية: لماذا يُعامل العراق كعدو ويُبرر غزوه العسكري، بينما تُعامل إيران كشريك تفاوضي رغم قدراتها النووية؟ هل يُستخدم الملف النووي الإيراني كورقة ضغط لإبقاء الدول العربية تحت النفوذ الغربي، وبالتالي تقليل استقلالية قراراتها الاستراتيجية؟ وما هو الهدف النهائي لهذه المفاوضات التي تبدو أحيانًا أكثر دبلوماسية من كونها مسألة أمنية بحتة، وربما تخدم مصالح أطراف خارجية أكثر من حماية الأمن الإقليمي؟

خلفية البرنامج النووي الإيراني

نشأ البرنامج النووي الإيراني في الستينيات بالتعاون مع الولايات المتحدة وألمانيا الغربية ضمن مشاريع سلمية للطاقة والبحث العلمي. لكن بعد الثورة الإيرانية عام 1979، أخذ البرنامج منحى عسكريًا جزئيًا، مما أثار قلق الغرب. منذ ذلك الحين، ظل البرنامج محور متابعة دقيقة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الغربية، خصوصًا فيما يتعلق بإمكانية تطوير أسلحة نووية.

تؤكد إيران أن البرنامج يركز على الاستخدامات السلمية للطاقة والبحث العلمي، وأن كل التطورات تخضع للرقابة الدولية. ومع ذلك، ترى بعض التحليلات الغربية أن إيران تستطيع، إذا رغبت، تطوير قدراتها النووية بسرعة، ما يجعلها لاعبًا استراتيجيًا يجب التعامل معه بحذر.

وأفاد الدكتور خالد الفاضل لمنـصة “هـنا كنـدا” بأن الفارق بين التعامل مع العراق وإيران واضح: “العراق كان يُعتبر تهديدًا مباشرًا للغرب في المنطقة، ولم يُترك مجال للحوار، بينما إيران لاعب استراتيجي لا غنى عنه لإعادة التوازن الإقليمي. لذلك تُعامل كشريك تفاوض. هذا التباين يسلط الضوء على كيفية استخدام الغرب للملف النووي كأداة سياسية، وليس فقط لأسباب أمنية.”

رغم العقوبات الجديدة وفشل المفاوضات الأخيرة، يبقى السؤال الاستراتيجي مطروحًا: لماذا لم يُنجز اتفاق نووي حتى الآن بين إيران والغرب؟ هل يُستخدم الملف النووي الإيراني كأداة ضغط سياسية للحفاظ على النفوذ الغربي وإبقاء الدول العربية في موقف محدود التأثير؟ وكيف يوازن المجتمع الدولي بين مصالح الأمن النووي ومنع الهيمنة الإقليمية وبين التداعيات المباشرة على شعوب المنطقة؟ – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر سي بي سي نيوز

ازدواجية المعايير الغربية: العراق نموذجًا

غزو العراق عام 2003 يمثل مثالًا صارخًا على ازدواجية المعايير الغربية. حينها، استخدمت الولايات المتحدة ذريعة أسلحة الدمار الشامل لتبرير غزوه العسكري، بينما يُعامل الملف النووي الإيراني بجدية استثنائية مع مفاوضات مستمرة وفرض عقوبات اقتصادية مقابل التزامات نووية محددة.

وأشار الصحفي علي محمود لــ “هـنا كـندا”: “كلما اقتربت إيران من تطوير قدراتها النووية، زاد التوتر، واستُثمر النفوذ الغربي للضغط على دول الخليج لضمان التوازن الاستراتيجي. هذا يوضح أن التعامل مع إيران لا يركز فقط على منع التفوق النووي، بل أيضًا على إبقاء دول الخليج في موقف يعتمد على الدعم الغربي.”

المفاوضات الأميركية – الإيرانية وتأثيرها على الخليج

شهدت السنوات الأخيرة محاولات مكثفة لإعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) بعد انسحاب إدارة ترامب عام 2018، في إطار سياسة غربية مزدوجة تجمع بين الضغط والحوار الدبلوماسي. هذه المفاوضات لا تركز فقط على الحد من البرنامج النووي الإيراني، بل تشكل جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي والتحكم في مسار الصراعات في الشرق الأوسط.

بينما يسعى الغرب إلى إبقاء إيران ضمن حدود واضحة، يُمنحها في الوقت نفسه مساحة للحفاظ على قدراتها النووية في حالات الطوارئ، ما يجعلها لاعبًا مؤثرًا في الملفات الإقليمية دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

هذا الواقع ينعكس مباشرة على الدول الخليجية، التي تجد نفسها مضطرة لتعزيز برامجها الدفاعية والصاروخية، وتطوير القدرات العسكرية بما يشمل الطائرات دون طيار لمواجهة أي تفوق إيراني محتمل، وفي الوقت نفسه للتكيف مع الترتيبات الاستراتيجية التي يفرضها الغرب على المنطقة.

ويوضح الصحفي علي محمود: ” إن إيران ليست الهدف الأساسي للضغط الغربي، بل تُستخدم كأداة لإعادة ترتيب القوى الإقليمية: الحفاظ على إيران ‘نووية على الحافة’ يخدم مصالح الغرب ويضع العرب في موقف ضعف نسبي”.

تعكس هذه الصورة موقف السعودية الجديد تجاه إيران، حيث تقدم دعمًا للمفاوضات الأميركية–الإيرانية في 2026 ضمن سياق استراتيجي معقد. الرياض لم تتخلَّ عن مصالحها التقليدية، بل تتصرف وفق مصلحة الدولة الاقتصادية والدبلوماسية، مع إدراك أن الملف النووي الإيراني يُستخدم كأداة ضغط للتحكم في التوازن الإقليمي، ما يضع الدول العربية في موقف محدود التأثير ويبرز ازدواجية المعايير الغربية – الصورة لـ أسوشيتد برس عبر منتدى الخليج الدولي

إيران بين التهديد والاحتواء

أكد الفاضل أن بقاء إيران في هذا الوضع المزدوج يمنح الغرب نفوذًا استراتيجيًا طويل الأمد، ويتيح له التحكم في سياسات المنطقة دون الحاجة لتدخل مباشر أو مواجهة عسكرية شاملة. وأضاف محمود: “الدول العربية تبقى تحت الضغط المستمر، مما يعرضها لتحديات تشمل الأمن، الاقتصاد، والسياسة، ويحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة في ملفات حيوية، مثل الطاقة والدفاع والتحالفات الإقليمية”.

ويـرى الفاضل:” أن هذه الديناميكية تكشف طبيعة العلاقة بين المفاوضات النووية والسياسات الإقليمية؛ إذ لا تتعلق فقط بمنع انتشار الأسلحة النووية، بل تُستخدم كأداة لإعادة ترتيب القوة والنفوذ، بينما يُترك العرب في موقف مراقب”.

وأشار علي محمود إلى أن إيران ليست مجرد تهديد نووي، بل أداة استراتيجية تسمح للغرب بالتحكم في ملفات الشرق الأوسط المختلفة دون الحاجة لتدخل عسكري مباشر، مؤكدًا أن الحفاظ على هذه الحالة يجعل العرب يعتمدون على واشنطن بشكل دائم، ويقلل من قدرتهم على اتخاذ قرارات مستقلة.

بينما يــؤكد الشامسي: ” أن بقاء إيران ‘نووية على الحافة’ ليس مسألة تقنية أو أمنية فحسب، بل أداة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة هندسة التوازن الإقليمي، حيث يُترك العرب في موقع مراقب، بينما يضمن الغرب القدرة على التأثير المباشر وغير المباشر على ملفات الأمن والاستقرار، بما يشمل الاقتصاد والطاقة والتحالفات العسكرية والسياسية”.

يظهر البرنامج النووي الإيراني، عند تحليل مواقفه التاريخية والسياسية، كأداة دبلوماسية وسياسية أكثر منها أداة أمنية بحتة. تبرز ازدواجية المعايير الغربية بين العراق وإيران بوضوح، ويُدار الملف النووي ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي، لا لمنع انتشار الأسلحة فقط.

إيران اليوم لاعب استراتيجي يُعامل كشريك تفاوض، بينما الدول العربية تواجه تحديات في حماية مصالحها ضمن منظومة دولية معقدة. بقاء إيران “نووية على الحافة” يخدم الغرب، ويضع الدول العربية تحت الضغط، مؤكدًا أن الملف النووي أداة سياسية أكثر منها أداة دفاعية.

إن فهم هذا الملف يتطلب رؤية شاملة تجمع بين التحليل الاستراتيجي، مراقبة السياسات الغربية، واستماع أصوات المحللين المحليين، الذين يوضحون أن إيران ليست تهديدًا مطلقًا، بل أداة للتوازن، بينما العرب يتحملون تبعات هذا التوازن على الأرض.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل