الشــرق الأوســط

سوريا ما بعد هروب الأسد

سيناريوهات واحتمالات

يقول فلاديمير لينين: “إن هناك عقودا لا يحدث فيها شيء وهناك أسابيع يحدث فيها ما يقع في عقود.” قد يكون هذا التعبير هو أدق وصف للمتغيرات التي حدثت في سوريا ما بين 28 نوفمبر و7 ديسمبر من العام الجاري، حيث تمكنت مجموعة من الفصائل المسلحة المدعومة من دول إقليمية وازنة كتركيا وقطر من الإطاحة بالنظام السوري الذي حكم البلاد منذ صائفة 1971. إن هذه السرعة التي تدحرجت بها الأحداث قد تكون بسبب مجموعة من العوامل، ولعل من أبرزها ما يلي:

في الجانب العملياتي يمكن إرجاع ذلك إلى نوعية التدريب والتسليح الذي تلقته هذه الجماعات منذ فترة، بالإضافة إلى أرضية التفاهم التي حضر لها الطرف التركي والتي نجح في أن يدرج في معادلتها الرقم الأوكراني وبقاء القواعد الروسية في السواحل السورية، ما سهل في تخلي الروس عن حليفهم التقليدي الذي كان لهم الدور الحاسم في إنقاذه عام 2015.

ويرجح كثير من المختصين في هذا الشأن أن يكون الأمر متعلقا بانشغال حلفاء الأسد الرئيسيين كإيران وحزب الله بحروب أخرى، وبعض الخلافات التي طفت على السطح بين الادارة الإيرانية والأسد بسبب تقاربه مع الطرف العربي الممثل في الجامعة العربية وهو ما ظهر جليا في الأشهر الأخيرة وخاصة في تجليات زيارته إلى المملكة العربية السعودية وقبلها البحرين.

هذا بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلد عموماً، والتي منها ما هو ناتج عن العقوبات (كقانون قيصر) ومنها ما يرجع إلى سوء التسيير والبيروقراطية والفساد المتجذرين. هذه الوضعية الكارثية، إضافة إلى حرب استنزاف دامت أكثر من 13 سنة، أثرت على الجيش وعلى معنويات جنوده، ما عجل في عملية استسلامه وتفككه.

فما هي السيناريوهات المحتملة يا ترى؟

متظاهرون يحتفلون بسقوط نظام بشار الأسد بساحة الامويين في العاصمة السورية دمشق-الصورة لـ نيويورك تايمز.

يعتبر الكثير من المراقبين أن سقوط نظام الأسد ستكون له الكثير من التداعيات، ليس فقط فيما يخص الشأن الداخلي السوري، بل على التوازنات والأوضاع في المنطقة عموما. لهذا، فإن طريقة إخراج شكل الدولة السورية المستقبلية سيكون محل اهتمام القوى الدولية والاقليمية الفاعلة، وخاصة إسرائيل التي عبرت من خلال كتابها ومراكز أبحاثها عن رغبتها في سوريا مقسمة، حيث تكون فيها للأكراد دولة، ودولة في السويداء للدروز، وأخرى للعلويين في اللاذقية.

السيناريو الليبي:

في بداية العملية العسكرية كان الكثير من المختصين يعتبرون أن السيناريو الليبي هو الذي سيكون سيد المشهد في سوريا ما بعد الأسد. رغم أن القرارات الأولى التي تم اتخاذها في هذا المجال يمكن أن تبعد هذا السيناريو، إلا أن العملية بشكل عام تتسم بالصعوبة، خاصة إذا ما نظرنا إلى عدد الجماعات المسلحة الفاعلة في سوريا. إضافة إلى هيئة تحرير الشام وقوات سوريا الديمقراطية، كقوتين كبيرتين، هناك عشرات المجموعات متعددة الأحجام والتسليح والعقائد والارتباطات الخارجية، ما يشكل عاملا مسهلا لانخراط القوى الإقليمية في المعارك الداخلية من أجل السيطرة على السلطة كما يحدث حاليا في ليبيا والسودان، “قوات مركزية مدعومة من تركيا وقطر، وقوات غير نظامية كالدعم السريع ومجموعات حفتر مدعومة من الإمارات وبعض الدول الأخرى”..

ورغم صواب الخطوة الأولى المتمثلة في دعوة قادة الفصائل إلى نزع السلاح والانضمام إلى القوات التي ستشرف عليها وزارة الدفاع قيد التشكيل، تحت شعار “منطق الدولة يختلف عن منطق الثورة”، حسب تعبير أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقا)، إلا أن أغلب المنخرطين في هذا الاجتماع/المبادرة هم من المحسوبين على الفصائل التي شاركت في الحملة الأخيرة والتي تشترك في العديد من الخصائص كانتمائها إلى الأغلبية السنية وخلفيتها السلفية أو الإخوانية.

وإذا ما فشلت محاولات انصهار كافة القوى المسلحة في وزارة الدفاع الجديدة وأسفرت العملية السياسية عن دولة مركزية ضعيفة، فإن القوى الإقليمية ستستغل ذلك وستستعمل مختلف الأذرع المسلحة للمطالبة بحصة في الكعكة السورية: فتركيا وقطر، على سبيل المثال، يمكنهما استعمال المجموعات السنية المنضوية الآن تحت راية هيئة تحرير الشام خدمة لمصالحهما، وإيران وروسيا لبعض بقايا المجموعات الشيعية، كقوات النمر او قوات الدفاع الوطني او “اواء فاطميون” الذي يقدر عدد افراده 14 الف مقاتل، والولايات المتحدة واسرائيل للمجموعات الكردية كقوات سوريا الديمقراطية. أما الإمارات، بالتعاون مع الاردن، فيمكن أن تشكل هي بدورها بعض الأذرع ذات الخلفية غير الدينية، في إطار حربها التقليدية ضد الاسلام السياسي، وهو ما تسبب في تقاربها التاريخي مع نظام الأسد. في هذه الحالة، سخونة الأوضاع من برودتها في الحلبة السورية ستعتمد بشكل مباشر على العلاقات بين الأطراف الإقليمية والدولية.

السيناريو العراقي:

الاحتمال الثاني لمآلات الأمور في سوريا هو السيناريو العراقي. فقبل سقوط صدام حسين، كان العراق ذو الأغلبية الشيعية، محكوما بأقلية سنية. وعند تدخل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال غزوها عام 2003، تمخض عن ذلك نظام برلماني أعطى للأغلبية الشيعية رئاسة الحكومة التي تتمتع بكامل الصلاحيات، والسنة رئاسة مجلس النواب وللأكراد رئاسة الدولة ذات الطابع البروتوكولي، أي بدون صلاحيات تنفيذية.

في الحالة السورية يمكن أن تعطى رئاسة الحكومة للأغلبية السنية، مجلس الشعب للعلويين، ورئاسة الدولة للأكراد، مع منح بعض المناصب الوزارية الأخرى لبقية الطوائف كالمسيحيين والدروز.

في هذا الحالة، هيئة تحرير الشام يمكن أن يكون لها دور مساعد كقوات الحشد الشعبي في العراق. تساعد الجيش في بسط الأمن وسيطرة الدولة على كافة التراب الوطني، وتتلقى تمويلها من الميزانية العامة، رغم عدم تمتعها بطابع رسمي. هذا المخرج قد يكون حلا لمسألة السلاح عند الفصائل، خاصة السنية منها.

أما الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية، فيمكن أن يعطى لهما حكم ذاتي في منطقة الشمال الشرقي على شاكلة كردستان العراق.

السيناريو “الوردي“:

هو أن تكون فيه دولة موحدة بمؤسسات مركزية قوية ودستور يضمن المشاركة لكافة الطوائف والأقليات التاريخية في الحكم.

ووجود هذا السيناريو من عدمه يعتمد بشكل كبير على مدى مرافقة الأطراف الوازنة والفاعلة للمجهودات الداخلية في سوريا

خطوة أولى، في هذا الإطار، يمكن أن تكون رفع العقوبات عن الدولة السورية ومؤسساتها حتى تتمكن من تأدية الخدمات الأساسية للمواطنين وخاصة إذا عرفنا أن أكثر من 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر حسب أخر تقرير لمنظمة الهجرة الدولية.

الإتحاد الأوروبي هو الأخر، وباعتباره أحد أكبر الأطراف التي فرضت عقوبات على سوريا، عبر عن استعداده لرفع العقوبات في حالة حدوث انتقال سلمي للسلطة في البلاد.

أما الولايات المتحدة فعبرت أيضا عن نيتها في رفع العقوبات إذا تحسنت الأوضاع، حسب ما جاء على لسان الناطق الرسمي باسم كتابة الدولة ماثيو ميلر. في هذه الحالة قد تكون أولى الخطوات هي رفع قانون قيصر، خاصة إذا علمنا أنه يتجدد سنويا وأن إلغاءه لا يتطلب سوى عدم تجديده.

هذه العقوبات فيها ما هو مفروض على البترول والغاز السوري، عائدات للحكومة السورية في الخارج، التجارة الخارجية، منظومة التحويلات المالية. إلخ

في هذه الإطار ستكون قوة الدولة المركزية مرفوقة بانتعاش اقتصادي عموده الفقري عائدات الطاقة وحيوية القطاع السياحي مثل ما هو عليه الحال في الجارة تركيا.

اجتماع أحمد الشرع مع قادة الفصائل المسلحة في العاصمة دمشق-الصورة لـ وكالة رويترز.

في النهاية، من غير السهل توقع مخرجات العملية السياسية في سوريا، وكل ما هو مؤكد حتى الآن أنها ليست سهلة وأن نتائجها قد تأخذ وقتا طويلا. فأكبر هذه التحديات هو لم شمل النسيج المجتمعي السوري الذي تجذرت فيه الطائفية بفعل سنوات الحرب التي أخذت منعطفا خطيرا للغاية، ما جعل الكثيرين يربطون الطائفة العلوية بالنظام، وهو ما تجلى في بعض أعمال الانتقام والتخريب التي طالت بعض مدن وقرى الطائفة المذكورة، أو حرق بعض أشجار أعياد الميلاد في بعض الضواحي المسيحية، وهو الأمر الذي أرجعه بعض المراقبين “لنشاط عناصر تابعة للنظام السابق في إطار ثورة مضادة”.

أما موضوع المكونات المجتمعية في سوريا، فهو مسألة معقدة وتشعباتها تعود إلى ما قبل وأثناء الحكم العثماني فيما كان يعرف سابقا بسوريا الكبرى، حيث كان يطبق نظام الملل، والذي مكن الطائفة السنية من التحكم في أهم مفاصل الحكم كالقضاء والتشريع، إضافة إلى الامتيازات كالسيطرة على التجارة الخارجية وغيرها. فمنذ ذهاب العثمانيين وبدء نظام الانتداب الفرنسي على أرض سوريا، وسيطرة حزب البعث (القطر السوري)، تمكن العلويون من مراكز سلطة القرار في الدولة بمساعدة الفرنسيين (الذين أسسوا لصعود ابناء الطائفة العلوية عن طريق القوات الخاصة)، والطائفة السنية في تراجع رغم أغلبيتها من حيث العدد. هذه الرواسب وغيرها كمجزرة حماه ضد متظاهرين سنة 1982، سيكون لها وبلا شك أثر في التوازنات الداخلية المستقبلية.

إضافة الى ذلك، وجود تحدي آخر، وهو مصير آلاف المجندين التابعين للجيش العربي السوري، من ذوي الاغلبية العلوية، الذين نزحوا إلى العراق ومعهم أسلحتهم الثقيلة والخفيفة، وكذلك مقاتلو الفصائل المسلحة السنية الأخرى التي قد تخرج عن عباءة العمل المشترك مع حلفاء الماضي. بالإضافة إلى التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش التي هي خارجة أصلا عن هذا المسار والتي تمتلك مقدرات وقوة بشرية معتبرة، إضافة إلى سيطرتها على بعض المناطق، وكذلك الميليشيات الشيعية “كلواء فاطميون” وغيرها من التنظيمات المتطرفة والمبنية على قوة بشرية من مقاتلين شيعة من إيران، أفغانستان، باكستان والهند.

هذه الوضعية قد تجعل من سوريا أفغانستان ما بعد خروج قوات الإتحاد السوفياتي حيث تقاتلت الفصائل على مدى سنوات من أجل السلطة والنفوذ.

عامل أخر يصعب من الناحية العملية، وهو كيف ستتعايش هذه المجموعات التي تدور في فلك هيئة تحرير الشام مع بعضها ومع الغير، خاصة الأقليات المسيحية، العلوية، الدرزية والكردية.

تحد أخر، هو ذلك المرتبط بالجيش الإسرائيلي الذي استغل فراغ الدولة والظروف الداخلية للبلاد وتخلى فعليا عن اتفاقيات 1994 باحتلاله مزيد من الأراضي السورية وخاصة المرتفعات وموارد المياه.

قوات سوريا الديمقراطية بدورها تشكل إحدى أكبر التحديات بالنسبة للإدارة السورية الجديدة، حيث إن مسألة أراضي شرق الفرات تتطلب عملية سياسية خاصة تبدوا معقدة، خاصة إذا عرفنا أن أكراد سوريا تدعمهم الولايات المتحدة وإسرائيل، وتراهنان عليهم لافتكاك رقعة جغرافية مهمة من أرض سوريا ومنحهم إدارة ذاتية، وهذا من أجل ضمان موطئ قدم في منطقة قريبة من تركيا وإيران والعراق.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل