الشــرق الأوســط

تصعيدٌ خطيرٌ في دِمشق والسُّوَيداء: قصفٌ إِسرائيليّ وتمرّدٌ داخليّ وردٌّ أَمنيّ عَنيف

القصفُ الإِسرائيليُّ على دِمشقَ يُوقِّع 3 قتلى و34 جريحًا، فيما تسبَّبت اشتباكاتُ السُّويداء بأَكثرَ من 250 قتيلًا، وسطَ اتِّهاماتٍ بِتمرُّدٍ مسلَّحٍ وتنديداتٍ عربِيَّةٍ ودوليَّة

شهدت سوريا خلال الساعات الماضية تصعيدًا واسعًا على المستويين الأمني والعسكري، تمثّل في قصف جوي إسرائيلي مباشر استهدف العاصمة دمشق، بالتزامن مع اندلاع اشتباكات عنيفة في محافظة السويداء بين قوى أمنية حكومية ومجموعات مسلّحة محلية، في واحدة من أعقد الموجات التصادمية منذ بداية العام.

ووفق بيان رسمي صادر عن وزارة الصحة السورية، أسفر القصف الإسرائيلي الذي طال مقر وزارة الدفاع ومواقع عسكرية مجاورة عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 34 آخرين، وسط تنديد حكومي واتهام مباشر لإسرائيل بانتهاك سيادة البلاد. في المقابل، زعمت إسرائيل أن الضربة “جاءت ردًا على تحركات عسكرية تهدد أمن السكان الدروز في الجنوب السوري”.

وفي السويداء، أفادت مصادر إعلامية وحقوقية بوقوع مواجهات واسعة بين قوات الأمن السوري ومجموعة مسلّحة يقودها الشيخ حكمت الهجري، عقب رفض هذه المجموعة الالتزام باتفاق تهدئة تم التوصل إليه سابقًا برعاية روحية محلية. وأسفرت المواجهات عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، فيما تحدثت منظمات حقوقية عن عمليات إعدام ميدانية وانتهاكات محتملة طالت مدنيين، مشيرة إلى أن حصيلة الضحايا تجاوزت 250 شخصًا خلال الأيام الأخيرة.

‏القوات الحكومية في المزرعة، وهي قرية على مشارف مدينة السويداء – الصورة لـ أسوشيتد برس‏ عبر فولكس كرانت

وصفت الحكومة السورية ما يجري في السويداء بأنه “تمرد مسلّح خارج عن القانون”، مؤكدة تنفيذ عمليات أمنية تهدف إلى “استعادة الاستقرار وفرض هيبة الدولة”، في حين طالبت منظمات حقوقية وناشطون محليون بفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتكبة من جميع الأطراف، متحدثين عن استخدام مفرط للقوة وسقوط ضحايا مدنيين.

في سياق متصل، وثّقت تقارير إعلامية دولية، مدعومة بصور ومقاطع فيديو، مظاهر تعاون بين بعض الجماعات الدرزية في جنوب سوريا وإسرائيل، لاسيما في المناطق المحاذية للجولان السوري المحتل، حيث رُفعت أعلام إسرائيلية خلال مناسبات علنية. هذا الارتباط، الذي أثار علامات استفهام متعددة حول خلفياته، يُوظَّف إسرائيليًا كأحد مبررات التدخل العسكري في الجنوب السوري تحت شعار “حماية الدروز”، ضمن استراتيجية أمنية تسعى لتكريس النفوذ الإسرائيلي في هذه المنطقة ومنع أي تموضع عسكري محتمل للقوات الحكومية أو حلفائها.

وتُعدّ هذه العلاقة، بحسب محللين أمنيين، جزءًا من سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى ضمان أمن الحدود، من خلال استثمار التحالفات مع أقليات محلية واستخدامها كأوراق ضغط استباقية ومبررات لهجمات داخل الأراضي السورية. ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تعمّق الانقسامات الداخلية، وتُقوّض جهود إعادة توحيد الدولة السورية في مرحلة ما بعد النزاع.

من جهته، نفى الشيخ حكمت الهجري مسؤوليته عن تفجير الأوضاع، وأكد في تصريحات محلية أن تحركاته جاءت “ردًا على استفزازات وقرارات سلطوية استهدفت أبناء الطائفة”، مطالبًا بتدخل دولي لحماية المدنيين. وهو ما اعتبرته بعض الأطراف محاولة لتدويل الصراع، بينما حذّرت جهات أخرى من خطر تكريس واقع مفروض بقوة السلاح يُهدد وحدة البلاد.

الشيخ حكمت الهجري متهم بقيادة ميليشيا مسلّحة في السويداء تهدف إلى تحدي الحكومة السورية الجديدة، مستغلاً نفوذه الديني للدعوة إلى “حماية الطائفة” وسط تصاعد التوترات. تحركاته تثير مخاوف من تصعيد أمني وتقويض وحدة الدولة – الصورة لـ سويداء 24 | الفايسبوك

على صعيد المواقف الإقليمية والدولية، أعربت عدة دول عربية عن إدانتها الشديدة للغارات الإسرائيلية، حيث أصدرت كل من الجزائر والسعودية، مصر، العراق والأردن بيانات رسمية اعتبرت القصف “انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي والسيادة السورية”، مطالبة بوقف فوري للتصعيد. كما أدانت جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي العدوان، محذّرين من تداعياته على استقرار المنطقة برمّتها.

أما على المستوى الدولي، فقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن “قلقه البالغ من تصاعد الانتهاكات داخل سوريا”، داعيًا إلى احترام وحدة الأراضي السورية، فيما حذّر مجلس الأمن الدولي من خطورة استمرار الغارات على مستقبل العملية السياسية، مشددًا على ضرورة الالتزام بقراراته، خاصة القرار 2254. كما دعا المبعوث الأممي غير بيدرسن إلى ضبط النفس وتفادي الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة.

ويعكس التصعيد الحاصل في دمشق والسويداء حجم التحديات المركبة التي تواجه سوريا، حيث تتقاطع الأبعاد المحلية، الطائفية، والأمنية، مع تدخلات إقليمية ودولية متشابكة. وبينما تسعى الدولة السورية لإعادة فرض سيطرتها على مجمل الجغرافيا الوطنية، تجد نفسها أمام واقع متفجر ومعقد تفرضه تحركات فصائل مسلّحة، وتغذّيه حسابات خارجية متنافرة، تُبقي البلاد في دائرة عدم الاستقرار.

متظاهرون دروز في الجولان طالبوا إسرائيل بالتدخل لحماية دروز السويداء، في ظل تصاعد الاشتباكات مع القوات الحكومية. دعواتهم تعكس تنامي التنسيق العابر للحدود بين الدروز وتل أبيب – الصورة لـ فلاش 90 عبر موقع جي آن آس

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل