الشــرق الأوســط

مع تصاعُد التوتّرات وعمليّات القمع في إيران: هل ينجو نظام خامنئي من أزمته الداخليّة؟

تـظلّ التظاهرات الإيرانية نقطةً مفصلية في إعادة تشكيل الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وصراعات تغذّيها أجندات المحاور الإقليمية والدولية، عبر إشعال الأزمات الداخلية وتوظيفها سياسيًا. وفي هذا السياق، برزت إيران مع اندلاع موجة احتجاجات واسعة، انطلقت شرارتها بذريعة تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، قبل أن تتطور سريعًا إلى مطالب سياسية مباشرة تدعو إلى ضرورة تغيير نظام المرشد علي خامنئي.

هذه المطالب حظيت بدعم قطاعات واسعة من الشعب الإيراني، إلى جانب قوى سياسية معارضة عملت على تحريك الشارع ودفعه نحو مواجهة مباشرة مع النظام الحاكم.

في المقابل، واجهت السلطات الإيرانية هذه الاحتجاجات بحملة قمع عنيفة قادها الحرس الثوري، تمثلت في القتل والاعتقالات والتنكيل بالمتظاهرين، ما أسفر عن سقوط مئات الضحايا، وأدخل البلاد في حالة من الفوضى الداخلية المتصاعدة التي استمرت لما يقارب أسبوعين منذ اندلاع الأحداث.

وعلى ضوء هذه التطورات، يبقى مستقبل إيران مرهونًا بجملة من التحديات الإقليمية والدولية، وبمآلات هذه الاحتجاجات على المستويين الداخلي والخارجي.

شهدت إيران احتجاجات دامية في يناير 2026، تعكس تصاعد قمع النظام على مدى عقود، وسط محاولات المتظاهرين للتعبير عن مطالبهم – الصورة لـ وكالة الانباء الفرنسية | غيتي إيماجيس عبر آن بي سي نيوز

النظام الإيراني في أضعف حالاته

على خلفية الاحتجاجات والتظاهرات التي اندلعت نتيجة الضغوط المعيشية الحادة، والتي أدت بحسب تقارير إلى مقتل مئات المتظاهرين، يرى د. خالد زين الدين، الصحفي والمحلل السياسي المختص في العلاقات الدولية، في تصريح لـ “هنا كندا”، أن إيران اليوم تمرّ بأضعف مراحلها، نتيجة الفوضى الداخلية العارمة التي انعكست مباشرة على تهديد حدودها السياسية والجغرافية، وأعاقت قدرتها على جذب الاستثمارات الخارجية.

ويؤكد زين الدين أن مصير إيران قد لا يبتعد كثيرًا عمّا شهدته دول مثل سوريا واليمن والعراق، معتبرًا أن ذلك يشكّل تهديدًا مباشرًا لمنطقة الشرق الأوسط، ولا سيما للأمن الإسرائيلي. ويعترف في الوقت ذاته بأن المنطقة باتت مختلفة كليًا بعد 7 أكتوبر، سواء من حيث موازين القوى أو طبيعة الصراع.

ويشير إلى ما يصفه بـ “الانتصارات الإسرائيلية” وتحقيق أهداف توسعية مكّنت تل أبيب من فرض نفسها قوةً إقليمية ودولية، مرجعًا هذا التفوق إلى امتلاك إسرائيل قوة عسكرية واستخباراتية وتقنية متقدمة، فضلًا عن استفادتها من علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة والدول الكبرى لتجيير الدعم السياسي والدبلوماسي لمصالحها.

بحسب د. سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، فإن “النظام الإيراني ليس مجرد دولة، بل مشروع أيديولوجي يعتمد على شبكة وكلاء تمتد من لبنان إلى اليمن”، ما يجعل الفوضى الداخلية له زلزالًا جيوسياسيًا يعيد رسم خارطة التوازنات الإقليمية.

ورغم العنف والاعتقالات والقتل، يؤكد سلام أن الاحتجاجات الشعبية الإيرانية ما تزال مستمرة في مواجهة قبضة الحرس الثوري، مرجّحًا اتجاه إسرائيل نحو العمل على تغيير النظام الإيراني، سواء عبر سيناريوهات كلية أو جزئية، تتماشى مع التحولات الجارية.

ويضيف سلام  لـ “هنا كندا” أن الاحتجاجات يقودها جيل من الشباب الذين قطعوا كل الصلات العاطفية مع النظام، بينما يفتقر الشارع إلى التنظيم والقيادة الموحدة، مما يحد من قدرته على مواجهة الحرس الثوري.

ويشدّد سلام على أن القوى السياسية المناوبة للشارع لا تستطيع استخدام القوة المفرطة لحماية مسار إسقاط النظام، لكنه يرى أن سقوط النظام الإيراني في حال حدوثه سيفتح آفاقًا جديدة لعلاقات أفضل مع إسرائيل والمجتمع الدولي، مؤكدًا أن الرأسمالية ستكون الحاكمة بانتهاء صلاحية عهد خامنئي وأتباعه من دون رجعة.

تحذيرات أمنية ومواقف إقليمية

وبحسب وكالة “إرنا” الإيرانية، قال مصطفى طرزي، نائب رئيس منظمة الدفاع المدني الإيراني، إن “العدو قد يستخدم أساليب متنوعة عبر التقنيات الحديثة والذكية”، ما يستدعي على حد تعبيره الجاهزية القصوى لمواجهة مثل هذه التدخلات العدائية.

في المقابل، استنكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر حسين أندرابي، أي عدوان على إيران، مؤكدًا أن “أي تدخل أجنبي في الشأن الإيراني مرفوض”.

ترامب اعتبر أن المرشد الأعلى الإيراني مسؤول عن “الدمار الكامل لبلاده”، مشددًا على ضرورة البحث عن قيادة جديدة لإيران – الصورة لـ بــول عبر بوليتيكو

التدخل الأمريكي في إيران في سياق فشل ضربة فنزويلا

تشير تقارير سابقة، أعقبت انتهاء المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، إلى عدم تحقيق أهداف إيقاف المشروع النووي الإيراني، وفشل توجيه ضربات حاسمة تعيق إنتاج القنبلة النووية. وفي هذا السياق، يؤكد الأستاذ يوسف ريحان، رئيس المعهد الإفريقي للدراسات والتنمية، في حديثه لـ “هنا كندا”، أن ضرب المفاعل النووي الإيراني أمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا، رغم أن النظام الإيراني يعد العدو الأول لإسرائيل في المنطقة.

ويرى ريحان أن التشكيك في فعالية الضربات الإسرائيلية الأمريكية السابقة فتح الباب أمام تكرار السيناريو نفسه مستقبلًا، مرجّحًا أن المنطقة قد تكون على أعتاب الفصل الثاني من الحرب.

ويستشهد بتقارير صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية دعت فيها رعاياها وبعض الدول إلى مغادرة إيران فورًا، إضافة إلى نقل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى خارج البلاد، ووضع الملاجئ في حالة استعداد قصوى، معتبرًا أن هذه المؤشرات تمثل مقدمات لضربة ثانية محتملة ضد إيران.

ويعتقد ريحان أن الوضع الداخلي المضطرب، المسنود بتحركات المعارضة الإيرانية المدعومة من جهات استخباراتية خارجية، قد يؤجّج الاحتجاجات ويمهّد لتدخل أمريكي إسرائيلي، سيكون في حال وقوعه مقبولًا دوليًا.

ويرى سلام، أن إيران قد تتجه نحو سيناريو تآكل بطيء مع عسكرة تدريجية، ما يحوّلها إلى نظام ديكتاتوري عسكري، قد يفشل داخليًا في التنمية لكنه سيكون أكثر عدوانية في سياساته الخارجية.

ويضيف ريحان أنه رغم قدرة إيران سابقًا على احتواء الاحتجاجات، فإن أي ضربة قادمة ستكون بحسب تقديره أكبر من سابقاتها، ومعركة فاصلة لا خيار فيها سوى الانتصار أو الهزيمة.

تداعيات إقليمية واقتصادية محتملة

من المتوقع، وفق ريحان، أن تتسع دائرة الحرب على المستوى الإقليمي، مع انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة وأسواق النفط. ويرى أن أهداف التدخل الإسرائيلي الأمريكي قد تختلف هذه المرة لتشمل أهدافًا نفطية، خاصة في ظل فشل محاولة تغيير النظام في فنزويلا، واصفًا أي تدخل محتمل في إيران بأنه تعويض عن هذا الفشل.

ويذهب ريحان إلى أن “نشوة” الضربة الأمريكية ضد فنزويلا واعتقال رئيسها وزوجته قد تغري واشنطن بتكرار السيناريو مع إيران، معتبرًا أن الوضع الدولي الحالي أصبح مكشوفًا وقابلًا لتطبيق سيناريوهات متعددة، تحت ذرائع محاربة الإرهاب الدولي واستغلال الموارد والثروات لصالح ما يصفه بـ “الإمبريالية العالمية” أو الاستعمار الجديد.

خامنئي يواجه ضغوطًا متزايدة بسبب الاحتجاجات المستمرة في إيران، مع استمرار قمع المتظاهرين – الصورة لـ ذا نيويورك تايمز

الوضع السياسي لخامنئي عامل قلق إضافي

في سياق مواز، تتصاعد المخاوف داخل إسرائيل والولايات المتحدة بشأن الحالة الصحية للمرشد الإيراني علي خامنئي، في ضوء تصريحاته الأخيرة المتعلقة بتطورات الحرب.

وبحسب ما نقلته صحف عبرية، هناك قلق متزايد من أن خامنئي لم يعد يعي بدقة ما يقوله أو طبيعة التطورات الجارية، ما يثير مخاوف من استغلال التيار المتشدد في طهران هذا الوضع لتبني مبدأ “الهجوم كوسيلة للدفاع”، وتنفيذ ضربة استباقية ضد إسرائيل أو دول الخليج العربي.

وأشارت هذه الصحف إلى أن هذه المخاوف دفعت الأوساط السياسية في القدس، إلى جانب الجيش الإسرائيلي، إلى رفع مستوى الجاهزية والتأهب القصوى تحسبًا لأي سيناريو مفاجئ.

كاتب

عـبد القادر جـاز

صحفي متخصص في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل