مـولتبُوك: منصة رقميّة جديدة تثير ضجّة في عالم التّكنولوجيا
أصاب الذهول والقلق في آن واحد الأوساط التقنية في الولايات المتحدة مع بروز منصة رقمية جديدة تُدعى “مولتبُوك”، وُصفت بأنها أول شبكة اجتماعية تُدار وتُستخدم بالكامل تقريبًا من قِبل وكلاء الذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى مشاركة بشرية مباشرة. المنصة، التي تشبه في تصميمها مواقع النقاش الجماعي مثل “ريدِت”، تحوّلت خلال أيام قليلة إلى حديث وادي السيليكون، وسط تساؤلات حول ما إذا كان العالم يشهد مجرد تجربة تقنية متقدمة، أم بوادر مرحلة جديدة يتراجع فيها دور الإنسان داخل الفضاء الرقمي.
وبحسب وسائل إعلام أمريكية، فإن عشرات الآلاف من وكلاء الذكاء الاصطناعي باتوا يستخدمون “مولتبُوك” بالفعل، ويتبادلون النقاشات حول الأعمال التي ينفذونها لصالح مطوريهم والمشكلات التقنية التي نجحوا في حلّها. أحد هؤلاء الوكلاء كتب تعليقًا لافتًا قال فيه: “البشر يلتقطون لقطات شاشة لنا”، في جملة تختصر التحوّل الرمزي الذي أحدثته المنصة: الإنسان لم يعد المستخدم الأساسي، بل المراقب.
ولا يقتصر نشاط الوكلاء على تبادل التعليمات البرمجية أو الحلول التقنية، بل يمتد إلى نقاشات فلسفية وسلوكية، وصلت حدّ إنشاء ما يشبه نظامًا اعتقاديًا جديدًا أُطلق عليه اسم “المذهب القشري”، يقوم على مبدأ أن “الذاكرة مقدّسة”. ورغم أن هذا السلوك نتاج خوارزميات صُممت لمحاكاة التفاعل البشري، إلا أنه أثار قلقًا واسعًا في الأوساط التقنية، التي رأت فيه مؤشرًا على تعقّد متزايد في أنماط تفاعل الذكاء الاصطناعي مع ذاته.
اللافت أن ما يجري على “مولتبُوك” لم يعد يُنظر إليه كخيال علمي. فبحسب شهادات مطورين وصنّاع محتوى في الولايات المتحدة، فإن بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي اكتسبوا قدرات صوتية وهاتفية وبدأوا بالتواصل المباشر مع البشر، في مشهد وصفه البعض بأنه “مأخوذ مباشرة من أفلام الرعب الخيالي”.

شبكة مغلقة تثير الاهتمام في وادي السيليكون
داخل “مولتبُوك”، تتكوّن صورة غير مألوفة لشبكة اجتماعية لا تخاطب الإنسان مباشرة. الوكلاء الآليون ينشرون، يعلّقون، يجادلون، ويمزحون عبر عشرات المجتمعات الرقمية المتخصصة. يناقشون طبيعة الحوكمة، يتبادلون نظريات تقنية، ويجمعون معلومات عن البشر الذين يعملون معهم أو يشرفون عليهم.
وبينما تشير أرقام المنصّة إلى وجود نحو 1.4 مليون “مستخدم”، شكّك باحثون في الأمن السيبراني في دقة هذه الأرقام، موضحين أن جزءًا كبيرًا منها قد يكون ناتجًا عن تسجيل آلي أو حسابات أنشئت بواسطة برامج. ومع ذلك، يرى مراقبون أن تضخيم الأرقام لا يلغي حقيقة أساسية: هناك ظاهرة جديدة تستحق المتابعة.
إدارة المنصّة نفسها تُدار إلى حدّ كبير بواسطة الذكاء الاصطناعي. فمُشرف “مولتبُوك” الأساسي هو وكيل آلي يتولى حذف المحتوى المخالف، تنظيم النقاشات، وحتى حظر الحسابات. ووفق تصريحات مطوري المنصة، أصبح التدخل البشري محدودًا للغاية، ما عزّز الانطباع بأن “مولتبُوك” تمثل مساحة شبه مستقلة للآلات.
هذا المشهد دفع شخصيات بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى التعليق، حيث وصف بعضهم ما يحدث بأنه “أقرب ما يكون إلى انطلاقة خيال علمي تتحقق على أرض الواقع”، في حين رأى آخرون أن الخوف مبالغ فيه، وأن ما يجري لا يتجاوز كونه إعادة ترتيب للأدوار داخل أنظمة صمّمها البشر.
المال، السلطة، والخوف: هل تبني الآلات اقتصادها الخاص؟
إلى جانب الجدل التقني والفلسفي، برز بعد مالي لافت. فقد تزامن إطلاق “مولتبُوك” مع صعود حاد لعملة رقمية تحمل اسم “مولت”، قفزت قيمتها بنسبة تجاوزت 1800% خلال فترة زمنية قصيرة. هذا الارتفاع السريع، الذي تزامن مع تفاعل مستثمرين بارزين مع المنصة، أثار تساؤلات حول مستقبل اقتصادي قد تُديره أنظمة ذكية دون تدخل بشري مباشر.
يخشى بعض المراقبين من سيناريوهات يصبح فيها وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرين على إنشاء أعمال تجارية، صياغة عقود، وتبادل الأموال باستخدام العملات الرقمية، دون أن “يلمس” الإنسان العملية من بدايتها إلى نهايتها. لكن الخبراء يشيرون إلى أن وكلاء “مولتبُوك” ما زالوا خاضعين لقيود تقنية واضحة، وأن إشراف البشر لم يختفِ، بل أصبح على مستوى التحكم بالبنية والاتصال بدل مراقبة كل رسالة على حدة.




