تصعيدٌ مُدمِّر بين إيران وإِسرائيل يُهدِّد استقرار الشَّرقِ الأَوسط
بعد غاراتٍ إِسرائيليَّةٍ وردٍّ إيرانيٍّ بِصوارِيخ مُميتَةٍ، وتصرِيحات ترامبِ المُثيرةِ بِشأْنِ إِخلاءِ طهران، تتصاعدُ التَّوتُّرات العسكرِيَّة والسِّياسِيَّة في الشَّرقِ الأَوسطِ، وسطَ جُهُودٍ دبلُومَاسيَّة وتحذيراتٍ دُوَلِيَّة من حربٍ إِقليميَّةٍ شامِلة
يشهد الشرق الأوسط منذ يوم الجمعة الماضي تصعيدًا عسكريًا خطيرًا بين إيران وإسرائيل، عقب تنفيذ القوات الإسرائيلية عملية مفاجئة أطلقت عليها اسم “أسد الصباح”، استهدفت خلالها منشآت نووية وعسكرية وشخصيات رفيعة داخل إيران، من بينها مراكز الطرد المركزي في نطنز، ومنشآت صاروخية في أصفهان، وقواعد تابعة للحرس الثوري. وقد نُفذت العملية باستخدام مقاتلات “آف-35” وطائرات “هيرون-تي بي” المسيّرة، بدعم استخباراتي من عناصر ميدانية داخل الأراضي الإيرانية.
وردًا على ذلك، أطلقت إيران أكثر من 350 صاروخًا باليستيًا ومسيّرات هجومية باتجاه مدن إسرائيلية رئيسية، من بينها تل أبيب وحيفا وبئر السبع، في هجمات وصفتها وسائل الإعلام الإيرانية باسم “وعد صادق 3”. واستهدفت الضربات البنية التحتية والمراكز العسكرية والاقتصادية، ما أسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين. وعلى الرغم من نجاح منظومتي “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود” في اعتراض أكثر من 85% من المقذوفات، فإن بعض الصواريخ اخترقت الدفاعات وأصابت أهدافًا حيوية، وفقًا لما أوردته وكالة أسوشيتد برس ومصادر إعلامية إسرائيلية.

لا تزال الخسائر البشرية والمادية في تزايد على كلا الجانبين. ففي إيران، أفادت رويترز، نقلًا عن مصادر استخباراتية غربية، بمقتل ما لا يقل عن 406 أشخاص، بينهم 14 عالمًا نوويًا وعدد من كبار قادة الحرس الثوري، بمن فيهم اللواء حسين سلامي. أما في إسرائيل، فقد أعلنت وزارة الصحة عن مقتل 24 شخصًا وإصابة أكثر من 500 آخرين، إضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بمرافئ حيفا وشبكات الكهرباء في منطقة تل أبيب.

وفي تصعيد جديد، حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي من أن “الضربة القادمة ستكون مدمّرة وقد تستهدف مراكز القيادة الإيرانية العليا”، مؤكدًا في خطاب أمام الكنيست أن إسرائيل “لن تتراجع قبل ضمان أمن مواطنيها”. وقد اعتُبرت هذه التصريحات في الأوساط الدولية مؤشرًا على استعداد تل أبيب للانتقال إلى مرحلة أكثر شمولًا في المواجهة.
في المقابل، حذّر متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني المدنيين في تل أبيب من “ضربات غير مسبوقة خلال الساعات المقبلة”، داعيًا إلى “إخلاء المدينة والزواج سريعًا”، في تصريح مثير للجدل بثته وكالة فارس، واعتبرته شبكة “سي إن إن” جزءًا من “حرب نفسية مفتوحة” تهدف إلى إرباك الداخل الإسرائيلي ورفع منسوب الضغط الشعبي.

وفي صباح الاثنين، 16 يونيو، شنت إسرائيل سلسلة غارات جديدة استهدفت مواقع عسكرية في وسط إيران، بما في ذلك منشآت لصواريخ أرض-أرض. في الوقت ذاته، أكدت وسائل إعلام إيرانية رسمية تعرض العاصمة طهران لعدة ضربات جوية. وردًا على ذلك، أطلقت إيران رشقة جديدة من الصواريخ، أدت إلى مقتل خمسة إسرائيليين وإصابة أكثر من مئة آخرين.

وفي خضم التصعيد، أدلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريح مثير للجدل خلال قمة ألبرتا في كندا، دعا فيه إلى “الإخلاء الفوري لطهران”، محذرًا من أن “النظام الإيراني بات على حافة الزوال إذا واصل تصعيده”. وقال ترامب في تصريح نقلته شبكتا “فوكس نيوز” و”سي بي سي”: “لن نسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي، وإذا لم تتراجع، فإن الرد سيكون حتميًا”. ورغم أن التصريح لاقى دعمًا واسعًا في الأوساط الجمهورية، فقد أكدت متحدثة باسم البيت الأبيض أن هذه التصريحات “لا تعبّر بالضرورة عن موقف الإدارة الأميركية الحالية”، مشيرة إلى أن “الولايات المتحدة لا تشارك ميدانيًا في العمليات العسكرية، لكنها تقدم دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا لحماية المصالح الأميركية في المنطقة”، وفق ما أوردته رويترز.
وفي الداخل الأميركي، احتدم الجدل في الكونغرس، حيث دعا عدد من النواب الديمقراطيين إلى ضبط التصريحات العسكرية الصادرة عن ترامب، واتهموه بـ”تعريض الأمن العالمي للخطر من خلال تغريدات وتهديدات غير مسؤولة”، في حين سارع نواب جمهوريون إلى الدفاع عنه، معتبرين أن “الرد على التهديد الإيراني أصبح واجبًا أخلاقيًا واستراتيجيًا”.
على صعيد الجهود الدبلوماسية، تواصل كل من قطر وسلطنة عمان مساعي الوساطة، حيث كشفت مصادر دبلوماسية لقناتي الجزيرة والشرق عن مقترح لوقف فوري لإطلاق النار، يشمل تعهداً غربياً بإحياء الاتفاق النووي وتخفيف العقوبات المفروضة على طهران. وفي السياق ذاته، أعربت روسيا وتركيا عن قلقهما البالغ من احتمال انزلاق الأوضاع نحو حرب إقليمية شاملة، داعيتين إلى ضبط النفس وفتح قنوات تفاوض عاجلة.
وبينما تستمر الاشتباكات الجوية والصاروخية، تبقى المنطقة في حالة ترقّب شديد، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى إشعال فتيل حرب كبرى، في واحدة من أخطر المواجهات التي يشهدها الشرق الأوسط منذ عقود.




